اليمن ينهض.. والوقت يعمل لصالح الدولة وليس لصالح الميليشيا
الرأي الثالث
اليمن اليوم لا يقف على حافة الانتظار كما كان قبل سنوات، ولا يعيش حالة الترقب التي حاولت الميليشيا فرضها على المشهد العام. البلاد تشهد حراكاً واسعاً على مختلف الجهات والجبهات؛
حراكاً سياسياً وعسكرياً واجتماعياً واقتصادياً يعكس يقظةً وطنيةً تتجاوز حدود رد الفعل، وتؤكّد ان اليمن يقترب من لحظته الفارقة، لحظة استعادة الدولة لسيطرتها الكاملة على البلاد، وعودة القرار الوطني الى موقعه الطبيعي بعيداً عن هيمنة السلاح ومشاريع الارتهان.
هذا الحراك ليس عابراً ولا طارئاً، بل هو نتيجة تراكم وعيٍ وطنيٍ تشكّل عبر سنوات الحرب والدمار والانقسام. اليمنيون الذين واجهوا كل اشكال الاستهداف لم يفقدوا بوصلتهم، ولم يسمحوا للميليشيا ان تصنع لهم واقعاً دائماً.
بل على العكس، ازدادوا قناعةً بأن الدولة هي الطريق الوحيد نحو الاستقرار والكرامة والمستقبل، وان الميليشيا مهما طال زمنها تبقى حالةً مؤقتةً لا يمكن ان تتحول الى مشروعٍ وطنيٍ او صيغة حكمٍ قابلةٍ للحياة.
تفكك الحوثيين.. أزمة داخلية لا يمكن إخفاؤها
الميليشيا الحوثية، التي حاولت لسنواتٍ ان تقدم نفسها بوصفها قوةً صلبةً لا تهتز، تواجه اليوم تآكلاً داخلياً لا يمكن تغطيته بالشعارات او الخطابات التعبوية.
فالمناطق الخاضعة لسيطرتها تشهد حالةً من الاحتقان الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وحالةً من التململ الشعبي الذي لم يعد قابلاً للضبط عبر القمع او الجبايات او التخويف.
اليمنيون داخل مناطق سيطرة الحوثيين لم يعودوا كما كانوا قبل سنوات. لقد اكتشفوا ان الجماعة لا تملك مشروعاً وطنياً، ولا تعرف كيف تدير دولةً او اقتصاداً او مؤسسات.
كل ما تعرفه هو إدارة الحرب، لأن الحرب بالنسبة لها ليست خياراً بل ضرورة وجودية.
فالجماعة التي نشأت على السلاح لا تستطيع العيش بلا سلاح، والجماعة التي بنت شرعيتها على الصراع لا تستطيع ان تنتج سلاماً، لأن السلام يهدد بنيتها ويكشف عجزها ويضعها امام سؤالٍ لا تملك له جواباً: ماذا بعد السلاح؟
الحوثيون لا يعرفون إدارة السلام
السلام بالنسبة للحوثيين ليس مشروعاً سياسياً، بل تهديداً مباشراً لوجودهم.
فالجماعة التي اعتادت ان تحكم بالقوة لا تستطيع ان تحكم بالقانون، والجماعة التي اعتادت ان تفرض الجبايات لا تستطيع ان تدير اقتصاداً، والجماعة التي اعتادت ان تكمم الأفواه لا تستطيع ان تدير مجتمعاً حياً.
ولهذا، كلما اقتربت فرص السلام، ازدادت الجماعة توتراً وتصعيداً، لأنها تدرك ان السلام يجرّدها من أدواتها، ويكشف هشاشتها، ويضعها امام استحقاقاتٍ لا تستطيع تلبيتها.
لقد أثبتت التجارب ان الحوثيين لا يعرفون كيف يديرون لحظة سلامٍ واحدة.
فعندما توقفت المعارك، لم تتجه الجماعة نحو بناء مؤسساتٍ او تحسين خدماتٍ او فتح المجال العام، بل اتجهت نحو تعزيز القبضة الأمنية، ورفع الجبايات، وتوسيع القمع، وإعادة إنتاج اقتصاد الحرب داخل زمن الهدنة.
وهذا السلوك ليس طارئاً، بل هو جزء من بنيتها العقائدية والتنظيمية التي لا ترى في الدولة الا غطاءً للسيطرة، ولا ترى في المجتمع الا مادةً للتعبئة، ولا ترى في اليمن الا ساحة نفوذٍ تخدم مشروعاً خارجياً لا علاقة له بمصلحة اليمنيين.
الشعب داخل مناطق سيطرة الحوثيين لم يعد قابلاً للانقياد
اليمنيون داخل مناطق سيطرة الميليشيا يعيشون اليوم حالة وعيٍ جديدةٍ لا يمكن تجاهلها. فهم يدركون ان الجماعة لا تمثلهم، وأنها لا تملك مشروعاً وطنياً، وأنها عاجزة عن تقديم ابسط مقومات الحياة.
لقد اكتشفوا ان الخطاب التعبوي لا يطعم خبزاً، وان الشعارات لا تبني دولةً، وان السلاح لا يصنع مستقبلاً.
هذا الوعي يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية: في رفض الجبايات، في التململ من القمع، في التذمر من سوء الخدمات، في الحديث العلني عن فساد الجماعة، وفي المقارنة بين ما تقدمه الدولة في المناطق المحررة وما تفرضه الميليشيا في مناطق سيطرتها.
وكلما اتسعت هذه المقارنة، اتسعت الفجوة بين الحوثيين والمجتمع، واتسعت معها هشاشة الجماعة التي لم تعد قادرةً على إخفاء فشلها.
المرجفون.. آخر أدوات الميليشيا
ومع اتساع هذا الحراك الوطني، يبرز بعض المرجفين، بقصدٍ او بدون قصد، ممن يحاولون التأثير في هذا المسار او التشويش على اتجاهه. هؤلاء يراهنون على بث الشك، وعلى تضخيم التحديات، وعلى صناعة صورةٍ قاتمةٍ لا تعكس الواقع.
لكن اليمن واليمنيين يعون ذلك جيداً، ويدركون ان الإرجاف لا يصنع واقعاً، وان التشكيك لا يوقف حركة شعبٍ يعرف طريقه ويعرف ان الدولة هي خياره الوحيد.
المرجفون ليسوا قوةً حقيقية، بل مجرد صدى لخطابٍ فقد تأثيره.
فاليمنيون اليوم أكثر وعياً وصلابةً من اي وقتٍ مضى، وهم يدركون ان الطريق قد يطول، وان التحديات ليست قليلة، لكنهم يدركون أيضاً أن الاتجاه محسوم، وان الهدف واضح، وان الدولة هي المستقبل الوحيد الممكن.
الدولة تتقدم.. والميليشيا تتراجع
في مقابل هذا التآكل داخل مناطق سيطرة الحوثيين، تتقدم الدولة في المناطق المحررة رغم التحديات والاختلالات. فالمؤسسات تستعيد عافيتها، والقرار الوطني يتوحّد تدريجياً، والخدمات تتحسن، والوعي السياسي يتشكل على قاعدةٍ جديدةٍ لا تقبل العودة الى الوراء.
هذا التقدم ليس مثالياً، لكنه حقيقي، وهو يعكس اتجاه المشهد العام: الدولة تتقدم، والميليشيا تتراجع.
اليمن اليوم ليس كما كان قبل سنوات. البلاد تتحرك، والمجتمع يتغير، والوعي يتسع، والميليشيا تفقد قدرتها على السيطرة، والدولة تستعيد حضورها، والوقت يعمل لصالح اليمنيين لا لصالح من حاولوا اختطاف مستقبلهم.
الطريق قد يطول.. لكن وجهته محسومة
اليمنيون يعرفون ان الطريق نحو استعادة الدولة قد يطول، وان التحديات ليست قليلة، لكنهم يعرفون أيضاً ان وجهته محسومة. فالمسار الذي بدأ لن يتوقف، والغاية التي تحددت لن تتبدل، والإرادة التي تشكلت لن تنكسر.
ختاماً..
اليمن اليوم يقترب من لحظته الفارقة، لحظة استعادة الدولة، وعودة صنعاء الى موقعها الطبيعي بوصفها عاصمة الجمهورية لا غنيمةً لجماعة مسلحة ولا منصةً لمشروع خارجيٍلا علاقة له باليمن.
لا بدّ من صنعاء وإن طال السفر.
د. خالد بن شويل