دول الخليج العربي… تعظيم سلام
يوماً بعد يوم، تُسقط هذه الحرب العديد من النظريات والأفكار التي حاول محور إيران ترسيخها في ذاكرة اللاوعي الجمعي العربي والإسلامي حول دول الخليج العربي وقضايا المنطقة.
فمنذ عقود، دأب محور طهران على الترويج لنظريات “الأبراج الزجاجية” و”الأموال المهدورة”، مقدماً نفسه كقوة عسكرية قادرة على حماية البلاد وسكانها.
لكن لحظة الحقيقة تكشف زيف هذا الادعاء؛ فمنذ أول هجمة بدت طهران عارية بلا غطاء جوي أو دفاع قادر على صد السيل الهادر الذي انهمر عليها. غير أن الصدمة كانت أكبر حين صحَت طهران لتجد أذرعها في المنطقة مشلولة أو مقطوعة أو ترتجف. وفي تلك اللحظة تحديداً، أدرك المواطن الإيراني وهم الرواية والقوة التي ساقتها طهران على مدى عقود من الاستبداد والفقر.
وبعيداً عن المقارنة مع الطرف الآخر في الحرب، الذي لا شك يتفوق اقتصادياً وعسكرياً وعلمياً وفي مختلف مجالات الحياة، فإن في منتصف الملعب فريقاً ثالثاً عمل بكل جهد على احترام حقوق الجوار، وبذل كل دبلوماسية ممكنة لتفادي الحرب، كما حرص بكل قوة على رفض استخدام أجوائه وأراضيه لصالح أي طرف. وهنا أظهرت دول الخليج العربي نُبلاً وحكمةً كبيرين.
لكن لأن الحقد الفارسي كان أكبر من القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية وحقوق الجوار، فقد عملت طهران على إظهار الصلف وكسر قواعد وأخلاقيات العلاقات الدولية، مستهدفة الجار بأضعاف آلة الحرب والدمار. وفي وقت كانت فيه تنتقم من الحضارة والأخلاق والتطور، حاولت إيصال رسائل متعددة: رسائل ضغط على دول الخليج للضغط على ترامب وفريقه لإيقاف الحرب، ورسائل رعب وحقد للمواطن العربي والمقيمين في هذه البقعة المضيئة والمشرقة من الجغرافيا.
لكن طهران تفاجأت، وتفاجأ معها كل المتابعين لهذه الحرب على امتداد الأرض؛ فالأبراج التي تحدث عنها المحور بأنها من زجاج كانت في الحقيقة من فولاذ وأقسى، والرجال الذين وُسموا بالرفاهية كانوا ضراغم وأبطالاً يسطرون فصلاً جديداً من رواية الوطن والفداء.
ولا شك أنني اليوم، كمواطن عربي، أقف تعظيم سلام لدول الخليج العربي وهي تستثمر منذ عقود في اقتصاد الوطن وفي حمايته. فالأبراج الزجاجية كانت محمية بسياج منيع، والأموال الخليجية لم تذهب سدى؛ بل رأى المواطن العربي الخليجي بأم عينيه أنها كانت تُستثمر في رفاهيته وحمايته. كما أن قادة الدول الخليجية كانوا يدركون هذا اليوم واستعدوا له جيداً، فضلاً عن الجهد الكبير المبذول لتقليل حجم الأضرار إلى أدنى حد ممكن، والعمل بكل تفانٍ للمحافظة على الأرواح.
ويتزامن كل ذلك مع حكمة خليجية بالغة الأثر، ودبلوماسية عالية التأثير قادرة على فهم الصراعات والانزياحات، ومدركة لفقه الواقع السياسي وضرورات اللحظة.
وهكذا، في كل محنة أو جائحة، تخرج كثير من دول العالم بالنواح والشكوى، بينما تخرج دول الخليج العربي بدروس وخطط مستقبلية؛ يصنعون من كل محنة منحة، ويقودون الخليج إلى بر الأمان.