العربدة الإسرائيلية والصمت الدولي… إلى متى؟
في خضم انشغال العالم بمجريات الحرب الأمريكية الإيرانية، وماراثون المفاوضات بين الطرفين، والتصريحات الدراماتيكية للرئيس ترامب وتذبذب أسواق الطاقة العالمية من جرّاء ذلك، يتسع نطاق العربدة الإسرائيلية، بشكل لم يُشهد له امتداد كهذا، إذ وصل إلى سبع جبهات تكاد تكون ملتهبةً، ما يحمل معه دلالات عديدة أبرزها:
شعور قادة الكيان بالتهديد الوجودي لكيانهم المصطنع، وذريعتهم هي الحاجة الدائمة لفرض واقع أمني، يضمن لهم الحماية من أي تهديد عبر امتلاك اليد الطولى، والذراع الرادعة، والقوة المهيمنة الوحيدة على دول المنطقة قاطبة، خاصة مع تنامي حالة العداء الرسمي والشعبي، في مواجهة العدوانية الإسرائيلية، التي أصبحت نهجاً مقدساً يمليه الخطاب التوراتي التلمودي، الذي يضخّه اليمين الديني المتطرف، وأصبح سياسة رسمية للحكومة الإسرائيلية.
وثاني هذه الدلالات يصب في المضي قدماً في رصف الطريق أمام المخطط الإسرائيلي القديم الجديد، الذي أعلن عنه مرارا وتكرارا علانيةً بنيامين نتنياهو، والقاضي بإقامة «إسرائيل الكبرى». ويأتي هذا مع تصاعد حمى الانتخابات الإسرائيلية القادمة،
إذ تحاول الأطراف الإسرائيلية كافة يمينها ويسارها ووسطها استمالة الشارع الإسرائيلي، بما يُطرب أسماعه ويرضي طموحاته، ويشبع رغبات المجتمع الإسرائيلي الشبق لمزيدٍ من التوسع والاستيطان والهيمنة، من دون اكتراث لنتائج هذه العقيدة العدوانية والتوسعية والعنصرية على مستقبل الكيان،
كما أشار لذلك (60) من قادة الكيان الأمنيين والعسكريين والسياسيين السابقين، برسالة طالبوا بها الرئيس ترامب التدخل للحد من خطورة «الإرهاب الصهيوني» على كيانهم عقب مواجهات بلدة (تل) في الضفة الغربية.
على جبهة غزة، ما زال العدوان مستمرا، وإن اتخذ أشكالاً مغايرة لحرب الإبادة العلنية التي أوقفت سعيرها مؤقتاً «خطة ترامب للسلام»، والتي لم تُفلح حتى الآن في وقف الغارات والاغتيالات والتي كانت آخرها ـ قبل أيام قليلة ـ غارة على خيمة للنازحين في خان يونس، استشهد على أثرها 7 فلسطينيين وأصيب 10 آخرون، وقبلها غارة على دير البلح أسفرت عن استشهاد ثمانية فلسطينيين،
وقبلها استهداف مجموعة أطفال كانوا يلعبون بطائرات ورقية، أثارت الهلع والرعب في صفوف قوات الاحتلال، إضافةً إلى استهداف مقهى على شاطئ غزة راح ضحيته نحو 13 شهيدا بينهم أطفال ونساء.
هذه الحرب الصامتة، التي يغذيها اليمين الديني، ويطالب على إثرها إيتمار بن غفير بقتل بين 30 إلى 40 فلسطينياً يومياً «لأنهم لا يستحقون الحياة»، من دون أن يحرك المجتمع الدولي ساكناً،
تأتي في سياق حرب الإبادة والتطهير العرقي لدفع الفلسطينيين إلى التهجير، بعد قتل كل جوانب الحياة، والتحكم بدخول المساعدات التي لم يدخل منها سوى 30%،
كما تم الاتفاق عليه في «خطة ترامب»، وربط إعادة الإعمار بتسليم سلاح المقاومة، التي أعلنت بدورها قبولها بذلك، شريطة وقف الاعتداءات والاستهدافات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.
وهناك على جبهة الضفة الغربية، التي تشهد مدنها وبلداتها ومخيماتها اعتداءات وحشية متواصلة، لا تنحصر بنسف المنازل فقط، بل حرقها بمن فيها، وقتل وسرقة قطعان الأغنام، ومصادرة الأراضي واقتلاع الأشجار، وحصار القرى والمنازل وقطع الطرقات، واعتقال وقتل المواطنين بدمٍ بارد، مثلما قتلوا فتحي خازم (أبو رعد) وقبله استشهد ولداه،
هذه الاعتداءات، التي طالت أيضا مقرات الأونروا في مخيم قلنديا وكفرعقب، حيث قامت بهدمها، تندرج في إطار سياسة ممنهجة لا تبدأ بالاعتداءات العنصرية، ولا تنتهي بالحصار الاقتصادي وتهديد الحياة اليومية للفلسطينيين الغذائية والأمنية،
بل من خلال إقامة ما سمي «الخيط القرمزي»، الذي سيعزل نحو 180 ألف دونم من أراضي الأغوار الفلسطينية، التي تشكل السلة الغذائية للأراضي الفلسطينية المحتلة، وإقامة جدار عزل جديد بطول نحو 22 كـم،
ناهيك من نشر مئات الحواجز ونقاط التفتيش لقطع الأوصال بين البلدات والمدن الفلسطينية، وإقامة المزيد من البؤر الاستيطانية، والمصادقة على بناء آلاف الوحدات السكنية، على حساب الأرض الفلسطينية، بما يسمى ( 1E )، والتقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، وإجراءات التهويد تمهيداً لإعادة بناء الهيكل.
إنها مرحلة إنهاء الوجود الفلسطيني عبر التطهير العرقي، كما سماها وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس بقوله «إنها مرحلة الحسم»، وهذا يعني التهويد أولاً ثم الضم النهائي للضفة، كما قرر الكنيست الإسرائيلي ذلك.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل ارتقت الإجراءات والتحركات التي قامت بها السلطة الفلسطينية إلى مستوى مواجهة هذه السياسة العدوانية الممنهجة، والحد من خطورتها أو إيقافها بالحد الأدنى؟ وهل أخذت القوات الأمنية دورها بحماية المواطنين الفلسطينيين من اعتداءات قطعان المستوطنين؟
أم ما زلنا نعوّل على المجتمع الدولي الصامت القيام بذلك؟
هذا المجتمع الذي ما فتئ مكتفياً بالتنديد والاستنكار والشجب، عكس ما طالبت به المقررة الأممية للأمم المتحدة في الأراضي المحتلة فرانشيسكا البانيز، من ضرورة وجود حماية دولية للفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية، ولجم ممارسات قوات الاحتلال والمستوطنين.
وعلى الجبهات الأخرى، لم توقف الآلة العسكرية الإسرائيلية من اعتداءاتها على جنوب لبنان وسوريا، واتخذت الحكومة الإسرائيلية من المفاوضات سبيلاً ومساراً لفرض اتفاقاتٍ مذلّة، بهدف فتح باب التطبيع مجدداً مع الأنظمة العربية، ولفك العزلة الدولية التي مُنيت بها من جراء سياساتها العدوانية في غزة والضفة الغربية.
العربدة الإسرائيلية لا تقتصر على جبهتي الضفة الغربية وغزة، بل تتعدى ذلك إلى جبهات العراق واليمن وإيران، فلم يتوقف الخطاب الإسرائيلي العدواني عن التحريض برفض مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، بل مطالبة نتنياهو المستمرة بعودة الحرب مجددا، وضرب إيران وحلفائها في اليمن والعراق.
هذا الخطاب التحريضي الذي يصطدم ربما برؤية أمريكية جديدة للصراع مع إيران، تقوم على الحصار والخنق الاقتصادي، وآخرها «عملية المنبوذ الاقتصادي» للعقوبات، بغرض تحقيق الاستقرار بهدف الاستثمار وفرض الهيمنة بالقوة الناعمة على المنطقة، وليس بالحروب والردع بالقوة،
كما يراها نتنياهو الذي يعزف على وتر الانتخابات ومخاطبة الداخل الإسرائيلي، خاصة اليمين منه. وما الغارات الثماني على مطار أبو الظهور السوري القريب من الحدود التركية، إلا رسالة دموية تحذيرية لتركيا في مواجهة التمدد العسكري التركي في سوريا، والشراكة الدفاعية التي عقدتها مع السعودية وباكستان.
إن العقلية العدوانية الجابوتنسكية المتأصلة لدى نتنياهو تحرص على نشر الفوضى والحروب في المنطقة، واستغلال الأقليات الإثنية بإشعال الفتن الداخلية، والتوسع الاحتلالي الاستيطاني، وكأنه بتغوله هذا يريد القول، إنه سيد الشرق الأوسط، وإنه من يقرر مستقبل المنطقة برمتها، ولا صوت يعلو فوق صوت «إسرائيل»،
غير آبه بالقانون الدولي، وقرارات الشرعية الدولية، وما يصدر عن المجتمع الدولي من إدانات وشجب واستنكار.
إن الدول العربية والإسلامية والمجتمع الدولي مطالبون اليوم بالتحرك العاجل والفوري لاتخاذ إجراءاتٍ صارمة لا تقف عند حد المقاطعة الاقتصادية للبضائع في المستوطنات،
بل وقف تصدير السلاح، وسحب السفراء، وقطع العلاقات، وتفعيل قرارات محكمة الجنايات الدولية، وفرض عقوبات مؤثرة ومجدية من شأنها أن تردع هذه العدوانية الإسرائيلية، وتوقف هذه العربدة التي لم يشهد العالم مثيلاً لها.
فهل تبقى المنطقة رهينةً لهذه العربدة وهذا الصمت الدولي المريب؟
* أحمد عويدات
كاتب فلسطيني