حين تخون النخبة مبادئها.. تصنع خراب الأوطان؟
فالعامة قد تُضلل، وقد تنقاد خلف خطاب مشحون بالعاطفة والكراهية، لكن النخب يفترض أن تدرك خطورة الكلمات والمواقف، وأن تعرف أن صناعة الوعي مسؤولية، وأن التاريخ لا يرحم من استخدم المعرفة لتبرير الانقسام والهدم.
ما نشهده اليوم من انحطاط سياسي وأخلاقي، ومن تنامي العصبيات المناطقية والطائفية والعنصرية، ومن الارتهان للخارج وتقديم المشاريع الصغيرة على حساب مشروع الدولة، لا يمكن تفسيره كله بالجهل أو العفوية.
فهناك نخب تعرف جيدا أين تقود هذه الخطابات، ومع ذلك تواصل إنتاجها وتبريرها.
المعضلة أن بعض النخب تركت جوهر الصراع: كيف نبني دولة عادلة، مؤسساتها قوية، ومواطنيها متساوون؟ وانشغلت بمعارك الهوية والمناطقية والثأر واستدعاء الماضي، وكأن مستقبل الأوطان لا يصنعه القانون والمؤسسات، بل العصبية والانتقام.
وهكذا تحولت قضايا التحرر والاستقلال والعدالة إلى شعارات قابلة للتوظيف، بينما يجري في الواقع إنتاج أشكال جديدة من التبعية والاستبداد، وإعادة تدوير العقلية التي كانت سببا في خراب الدولة والمجتمع.
لقد هيأت بعض النخب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، البيئة التي مكنت جماعات متطرفة وعصبية من التمدد، حين منحتها الغطاء السياسي والفكري، وبررت ممارساتها، أو صمتت أمامها.
ولا يمكن لجماعة مارقة أن تصنع كل هذا الخراب وحدها، من دون نخب تبرر لها، وأخرى تصمت، وثالثة تبحث عن مصالحها في بلاط السلطة.
والأخطر أن التجربة لا تبدو كافية لتصحيح المسار. فما زال البعض يراهن على العقلية ذاتها التي أنتجت الأزمات، وكأن تغيير الجغرافيا أو رفع شعارات جديدة كاف لصناعة دولة مختلفة، بينما تبقى أدوات الحكم والإقصاء والعصبية هي ذاتها.
لقد كان مشروع الدولة الاتحادية ومخرجات الحوار الوطني، رغم ما قد يعتريها من قصور، فرصة لبناء دولة تتسع للجميع، وكان بالإمكان معالجة الاختلالات بالحوار والتوافق والإصلاح، لا بإسقاط الفكرة والعودة إلى منطق الغلبة.
إن بناء الجنوب الذي حلم به الناس لا يكون بإقصاء شمالي أو تخوين عدني أو تصنيف حضرمي أو مناطقي، كما أن بناء اليمن لا يكون بإنكار خصوصيات مناطقه ومظالمها.
الطريق الوحيد هو دولة المواطنة، والعدالة، والشراكة، والمؤسسات، والاعتراف بالحقوق دون تحويلها إلى أدوات للانتقام.
والمفارقة المؤلمة أن بعض من يعيشون في أوروبا وأمريكا، في ظل أنظمة ديمقراطية تحترم التعدد والمواطنة، ما زالوا يمارسون من خلف الشاشات خطابا مناطقيا وعنصريا يمزق مجتمعاتهم في الداخل.
وكأن الديمقراطية تصلح لهم حيث يعيشون، ولا تصلح لأوطانهم.
هنا تحديدا يجب أن نتوقف أمام مسؤولية النخبة.
النخبة الحقيقية لا تشحن الناس بالكراهية، بل تحميهم منها. لا تستدعي أسوأ ما في التاريخ، بل تستخلص منه دروسه. لا تبحث عن انتصار جماعة على أخرى، بل عن دولة تنتصر للجميع.
أما حين تتحول المعرفة إلى وسيلة لتبرير الظلم، والثقافة إلى منصة للتحريض، والسياسة إلى سوق للمصالح، فإن السؤال يصبح مشروعا ومؤلما:
هل ما نراه مجرد عجز في التفكير، أم سقوط أخلاقي في الموقف؟
والله المستعان.
✍️ أ. أحمد ناصر حميدان
كاتب وباحث يمني