متى يتحول الزمن في اليمن إلى عبء إضافي؟
أتصور أن الإنسان في البلدان التي أنهكتها الحروب والأزمات الممتدة، يصبح هو المعيار الأكثر دقة في قياس نجاح السياسات أو إخفاقها.
فالدولة، في جوهرها، لم تنشأ لتكون مجموعة من المباني أو المؤسسات الجامدة، وإنما لتكون الإطار الذي يحفظ كرامة الإنسان ويصون أمنه ويمنحه القدرة على التخطيط لغده بثقة.
ولذلك، فإن أي حديث عن اليمن اليوم ينبغي في تقديري أن يبدأ من الإنسان قبل أي شيء آخر، من احتياجاته اليومية، ومن حقه في الحياة الكريمة، ومن "تطلعه المشروع" إلى مستقبل أفضل.
بيد أن هذا التطلع، على مشروعيته الكاملة، لا يتعين في تصوري أن ينفصل عن إدراك طبيعة المرحلة الصعبة التي تمر بها البلاد،
فالأمم التي تعرضت لهزات عميقة لا تعود إلى عافيتها دفعة واحدة، بل عبر مسار طويل تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والثقافة والإدارة.
ولهذا، فإن النظرة المتوازنة في اعتقادي لا تبحث عن صورة مثالية غير موجودة، ولا تستسلم في الوقت ذاته لليأس، وإنما تنظر إلى الواقع بوصفه مشروعاً مفتوحاً للتحسين المستمر، لأن قيمة الأمل لا تكمن في تجاهل الصعوبات، وإنما في تحويلها إلى دافع للعمل.
ولذلك تتبدى الحكمة السياسية، من هذا المنطلق المشار إليه أعلاه، أقرب إلى القدرة على إدارة الزمن منها إلى القدرة على إطلاق الوعود.
فالقرارات، مهما بلغت جودتها وأعني هنا تلك القرارات الصائبة وليست المخالفة لمعايير وضوابط شغل الوظيفة العامة في الدولة، لا تستطيع وحدها أن تمحو آثار تراكمات استمرت سنوات طويلة،
كما أن المؤسسات التي تعرضت للاستنزاف لا تستعيد كفاءتها بمجرد الرغبة في ذلك.
في الواقع أرى أن إعادة البناء عملية شاقة تبدأ بإصلاح الثقة قبل إصلاح الحجر، لأن المجتمع الذي يفقد ثقته بإمكان التغيير يصبح أكثر عرضة للاستسلام لفكرة أن الأزمات قدر دائم.
ولذلك، فإن المحافظة على الأمل الواقعي، بأي قدر ممكن، تمثل في حد ذاتها مسؤولية وطنية، شرط ألا يتحول هذا الأمل إلى خطاب إنشائي، يطلب من الناس مزيداً من الصبر من دون أن يمنحهم مؤشرات ملموسة إلى أن المستقبل يتحرك بالفعل نحو الأفضل.
فالإنسان يحتمل المشقة حين يشعر أن الطريق يقوده إلى غاية واضحة، أما حين يغيب هذا "الإحساس" فإن الزمن نفسه يتحول إلى عبء إضافي.
لاحظوا معي من فضلكم أن من أكثر الأخطاء شيوعاً في قراءة التجارب الوطنية، الاعتقاد بأن التقدم لا قيمة له إلا إذا كان كاملاً.
دعونا لا ننسى أن التاريخ لا يسجل فقط لحظات الانتصارات الكبرى، بل يسجل أيضاً تلك الخطوات الصغيرة التي حافظت على بقاء المجتمع ومنعت انهياره الكامل.
من هنا فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأي تقدم حقيقي يتحقق، مهما بدا محدوداً، من دون أن يعني ذلك الاكتفاء به أو اعتباره نهاية الطريق.
فالفرق كبير بين الاعتراف بالمنجز والاكتفاء به مع الاستمرار في اتخاذ قرارات مخالفة لمعايير وضوابط شغل الوظيفة العامة في الدولة،
كما أن الفرق كبير بين نقد القصور وإنكار كل ما تحقق من دون أن ننسى أن الهدف الأساس وهو استعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح لم يتحقق بعد. وهذه المسافة الدقيقة هي التي تمنح الخطاب السياسي مصداقيته، لأنها تجعله أقرب إلى العقل منه إلى الانفعال.
عندما ننظر إلى المحافظات اليمنية في ما تُعرف بـ"المناطق المحررة"، من هذه الزاوية المشار إليها أعلاه، فإننا ندرك أن لكل محافظة خصوصيتها،
فعدن ليست كلحج من حيث الأهمية باعتبار أن الأولى عاصمة موقتة للجمهورية اليمنية، ولحج ليست كأبين أو حضرموت، لكنها جميعاً، مع بقية المحافظات، تشترك في أنها تحمل آثار أعوام طويلة من الصعوبات والعراقيل والتحديات المركبة.
ولذلك، فإن المقارنة المنصفة لا تكون بين الواقع القائم والصورة المثالية التي نتمناها، وإنما بين الواقع الحالي وما كان يمكن أن يكون عليه لو استمرت عوامل الانهيار من دون مقاومة. فالمجتمعات لا تقاس فقط بما حققته، بل بما نجحت في منعه أيضاً.
لاحظوا أن الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في ظروف استثنائية يمثل في ذاته إنجازاً ينبغي البناء عليه، لا الوقوف عنده.
غير أن هذا الإدراك لا يعفي أحداً من المسؤولية، بل يزيدها، لأن المحافظة على الممكن ليست غاية نهائية، وإنما قاعدة ينطلق منها العمل نحو الأفضل.
تبرز هنا قيمة الإنسان مرة أخرى بوصفه الغاية والوسيلة في آن معاً. فالخدمات العامة والكهرباء والتعليم والصحة والأمن، وقبل ذلك اتخاذ قرارات ملتزمة بمعايير وضوابط شغل الوظيفة العامة في الدولة،
ليست أرقاماً في تقارير رسمية، وإنما تفاصيل يومية تصنع شعور الإنسان بالكرامة والاستحقاق والانتماء.
وكلما اقتربت مؤسسات الدولة من تلبية هذه الاحتياجات، تعززت الثقة بينها وبين المجتمع، لأن العلاقة بين المواطن والدولة لا تُبنى على الخطابات وحدها، بل على "التجربة اليومية" التي يعيشها الناس في بيوتهم وشوارعهم وأماكن عملهم.
ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ بالمشروعات الضخمة فقط، وإنما يبدأ أيضاً بالمشروعات الصغيرة التي تلبي حاجات الناس وتنصفهم، لأن المجتمعات القادرة على حماية الإنسان هي المجتمعات الأكثر قدرة على حماية مستقبلها.
في نهاية المطاف لا يمكن الحديث عن المستقبل من دون التأكيد على أن "العدالة" و"الشفافية" و"سيادة القانون" تمثل الركائز التي تمنح أي عملية بناء معناها الحقيقي.
فالتنمية التي لا يشعر المواطن بعدالتها تظل ناقصة، كما أن الخدمات التي لا تصاحبها مؤسسات فاعلة وقوية تبقى عرضة للتراجع عند أول أزمة.
ولذلك؛ فإن التحدي الأكبر لا يكمن في معالجة المشكلات اليومية فحسب، بل وأيضاً في بناء قواعد مؤسسية تجعل التحسن مستداماً وقابلاً للتطور.
فالدول القوية ليست تلك التي لا تواجه الأزمات، وإنما تلك التي تمتلك مؤسسات قادرة بما يكفي على إدارتها وتقليل آثارها، وتحويل دروسها إلى خبرة تراكمية تمنع تكرارها مستقبلاً.
ومَن يقرأ التاريخ سيجد أن الأمم لا تنهض لأن الطريق كان سهلاً، وإنما تنهض لأنها آمنت بأن الإنسان يستحق مستقبلاً أفضل، ثم مضت بخطوات ثابتة لتحويل هذا الإيمان إلى واقع يراه الناس في تفاصيل حياتهم، لا في الشعارات وحدها.
سامي الكاف
صحافي وكاتب يمني