هل تتراجع الهيمنة الأميركية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ؟
ألقت مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن يزيد حلفاء واشنطن في منطقة آسيا والمحيط الهادئ من إنفاقهم الدفاعي، المزيد من الأعباء على عاتق هذه الدول.
وقد جدّد ذلك تساؤلات حول مدى قدرة هؤلاء الحلفاء على الاعتماد على الولايات المتحدة للمساعدة في ردع دول مثل الصين وكوريا الشمالية.
ودفعت هذه المخاوف باتجاه زيادة التركيز على تطوير صناعاتهم الدفاعية الخاصة.
ويرى مراقبون صينيون، أن ذلك قد يضعف في نهاية المطاف الهيمنة الأميركية في تجارة الأسلحة العالمية، لصالح مصنعي الأسلحة المحليين الذين قد يكونون المستفيدين الرئيسيين.
وضمن استراتيجية الأمن القومي التي صدرت في ديسمبر/كانون الأول الماضي، حثّت إدارة ترامب الحلفاء مثل اليابان وكوريا الجنوبية على إنفاق المزيد على الدفاع الجماعي لتعزيز قدرتهم على ردع العدوان (زيادة الإنفاق الدفاعي إلى ما بين 3.5% و5% من ناتجهم المحلي الإجمالي)،
وقالت إن هذا الأمر ضروري لردع الخصوم وحماية سلسلة الجزر الأولى، وهي سلسلة من الجزر والأرخبيلات التي تمتد من اليابان إلى الفيليبين.
وتقع هذه السلسلة بين البرّ الرئيسي للصين والمحيط الهادئ، وقد تمّ تحديدها بوصفها حاجزاً استراتيجياً يمكن استخدامه لمنع الوصول إلى المياه المفتوحة.
وتزداد أهميتها بسبب حقيقة أن تايوان تقع في قلبها، إذ تعتبرها بكين جزءاً من الصين ويجب إعادة توحيدها بالقوة إذا لزم الأمر. يُذكر أن معظم الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، لا تعترف بتايوان دولةً مستقلة،
لكن واشنطن تعارض أي محاولة للاستيلاء على الجزيرة ذات الحكم الذاتي بالقوة وتلتزم بتزويدها بالأسلحة.
وضع أمني معقد يضعف الهيمنة الأميركية
في قراءته لتداعيات دعوة ترامب، قال المختص في الشأن الآسيوي في معهد فودان للدراسات والأبحاث، جينغ وي، إن العديد من الدول الآسيوية تعاني من أجل الحفاظ على هذه الزيادة الهائلة في الإنفاق الدفاعي،
ويمكن أن تؤدي النسبة العالية للغاية من الإنفاق العسكري إلى تآكل الميزانيات في المجالات الرئيسية مثل الصحة العامة والتعليم وسبل عيش الناس،
وقد يتسبّب ذلك في إطلاق احتجاجات شعبية قوية وردات فعل سياسية عنيفة في العديد من البلدان التي تعاني من ضغوط على اقتصاداتها المحلية، مثل اليابان وكوريا الجنوبية.
وأضاف جينغ أن الأمر لا يقتصر على فرض قيود اقتصادية وسياسية داخلية شديدة على الحلفاء،
بل قد يكون له أيضاً أثر عكسي على الهيمنة الأميركية والمصالح الاستراتيجية الأميركية من خلال تسريع سباق التسلح الإقليمي بين الحلفاء وإضعاف الهيمنة الأميركية العسكرية التقليدية،
فضلاً عن أن الإفراط في تحفيز هذه الدول على توسيع ترسانتها العسكرية وتحميل جيوشها مسؤوليات تتجاوز نطاق الدولة، قد يؤدي إلى وضع أمني إقليمي أكثر تعقيداً، ما يُفاقم المعضلة الأمنية وزيادة خطر الاشتباكات العرضية.
ولفت جينغ إلى أنه بمجرد أن يُنشئ حلفاء واشنطن في منطقة آسيا والمحيط الهادئ أنظمة دفاعية كبيرة ومستقلة ذاتياً، سيقلّ اعتمادهم بطبيعة الحال على المظلة العسكرية الأميركية بشكل ملحوظ،
وقد يؤدي ذلك إلى إضعاف كبير لسيطرة واشنطن على المسار الجيوسياسي للمنطقة، بما في ذلك استراتيجيتها الشهيرة في منطقة المحيطين الهادئ والهندي لاحتواء النفوذ الصيني.
قدرات مالية محدودة
من جهته، رأى الباحث في معهد جيانغ شي للدراسات السياسية، لين وي، أنه من أجل تحقيق الدفاع المستقل وفق الرؤية الأميركية، سيقوم العديد من الحلفاء بدعم مؤسساتهم الصناعية العسكرية، ما يقلّل من طلبات شراء الأسلحة المتطورة من الولايات المتحدة،
وهذا يؤثر بشكل مباشر على سوق تصدير صناعة الدفاع المحلية الأميركية. وأضاف: "إلى جانب ذلك، أدّت التصريحات والإجراءات التي اتخذها ترامب مثل سحب قطع ومعدات عسكرية من المنطقة باتجاه الشرق الأوسط،
وحديثه الصريح وغير الدبلوماسي عن الحلفاء وتقاعسهم عن المشاركة في خططه السابقة بشأن حماية حرّية الملاحة في مضيق هرمز، وكذلك عدم تقديم ضمانات بالدفاع عن تايوان في حال تعرضها لهجوم صيني،
كل ذلك أثار تساؤلات حول الالتزام العسكري العالمي للولايات المتحدة، وهذا قد يدفع الطلب على المعدات العسكرية وأنظمة الدفاع سواء في أوروبا أو منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
ولفت الباحث في معهد جيانغ شي، إلى أن هناك بعض القوى الكبرى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ مثل الهند وأستراليا، تتفق على ضرورة تغيير الوضع الراهن استجابةً للحقائق الجيوسياسية الجديدة التي أحدثها صعود الصين الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي،
غير أن قلّة من اقتصادات هذه الدول تعتقد أن هدف إدارة ترامب المتمثل في تخصيص 5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي أمرٌ ممكن اقتصادياً أو حتى سياسياً.
يشار إلى أن رئيس أركان الدفاع الهندي، أنيل شوهان، استبعد إمكانية زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% في المستقبل القريب.
وقال في تصريحات صحافية سابقة: "نحن ندرك تماماً التهديدات والتحديات والقضايا الجيوسياسية التي نواجهها. وسوف نتصرف في حدود إمكانياتنا".
من جهتها، أعلنت الفيليبين أيضاً أنها لا تستطيع تحقيق هذا الهدف، مُشيرةً إلى محدودية مواردها المالية.
وقال وزير الدفاع الفيليبيني غيلبرت تيودورو، في وقت سابق: "لا نستطيع حقاً تحقيق هدف الـ5%. الأمر يتعلق بالقدرة المالية لبلادنا".
علي أبو مريحيل
كاتب فلسطيني،