إدامة الصراع في اليمن... للاستنزاف
لقد دخل اليمن عامه الثاني عشر في حرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى مشروعٍ طويل الأمد للاستنزاف المنهجي. ولم يعد الهدف تحقيق انتصار عسكري بقدر ما أصبح إنهاك الإنسان والدولة معًا، بحيث لا يخرج اليمن ـ مهما كانت نتيجة الحرب ـ قادرًا على استعادة عافيته كما كان.
فكلما طال أمد الصراع، تعمقت الجراح، وتراجعت فرص التعافي، وأصبح بقاء اليمنيين أسرى الحاجة والانقسام والارتهان غايةً تخدم حسابات أطراف عديدة.
لقد أثبت التاريخ أن الحروب التي تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية، وتتغذى على الانقسامات الداخلية، لا تكتفي بإسقاط المدن أو إنهاك الجيوش الرسمية والشعبية، وإنما تعمل على تفكيك المجتمع من داخله، واستهداف منظومة قيمه، وتجفيف ينابيع الثقة بين أبنائه، حتى يصبح السلام نفسه مشروعًا عسير المنال.
واليمن، وهو بلد تمتد جذوره في أعماق التاريخ، ويمثل أحد أقدم مواطن الحضارة العربية، لم يكن ينقصه وجود عوامل الاختلاف، فهي موجودة في معظم المجتمعات.
غير أن تلك العوامل تحولت إلى وقود لحريق واسع بفعل استثمار سياسي خبيث وإعلامي وعسكري هائل، أُريد له أن يظل مشتعلًا، وأن تُعطَّل كل أسباب إخماده.
ولم يعد المستهدف الأرض وحدها، بل الإنسان اليمني، وإرادته، وذاكرته الوطنية، وروابط المحبة والتعايش التي صاغها التاريخ عبر قرون.
وحين يصبح الدعوة الى الحوار تهمة، والإصلاح خطرًا، والسلام تهديدًا لمصالح المتحاربين، تتحول الكراهية إلى صناعة، والانقسام إلى سياسة، ويغدو كل صوت يدعو إلى العقل هدفًا للإقصاء أو التشويه.
وهنا تبلغ المأساة ذروتها، فلا تلتهم النيران الحجارة فحسب، بل تمتد لتلتهم منظومة الأخلاق، والإيمان، والوطنية، وكل ما من شأنه أن يؤسس لمستقبل أفضل.
وهنا أقول لشباب اليمن، رجالًا ونساءً، وهم من تُعقد عليهم الآمال، إنني أرى فيهم الأمل الأخير.
فمستقبل هذا الوطن لن يصنعه من اعتاد الارتهان، ولا من ألف الهزيمة النفسية، ولا من استسلم لمنطق التبعية، وإنما يصنعه جيل يؤمن بأن الكرامة ليست شعارًا، بل حق، وأن الحرية ليست منحة، بل مسؤولية، وأن الوطن لا يُبنى إلا بسواعد أبنائه الأحرار.
لقد عرف اليمن عبر تاريخه صراعاتٍ وحروبًا كثيرة، لكنها ـ في أغلب مراحلها ـ كانت تنتهي حين ينتصر صوت الحكمة، ويظهر رجال دولة يقدمون المصلحة العامة على المصالح الضيقة، فيوقفون نزيف الدم، ويعيدون وصل ما انقطع.
أما اليوم، فإن هذا الصوت يكاد يغيب، في وقت تتقاطع فيه مصالح أطراف الصراع، على الرغم من اختلاف شعاراتها، في إدامة حالة الاستنزاف وإطالة أمد الأزمة، بينما يدفع المواطن اليمني وحده الثمن الأكبر.
إن منطق السياسة حين يخضع لقانون القوة المجردة، حيث يظن القوي أن من حقه ابتلاع الضعيف وإقصاءه وإعادة تشكيل مصيره وفق مصالحه، قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه يحمل في داخله بذور فنائه.
فالتاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات التي بنت نفوذها على الظلم والاستنزاف لم تسقط بسبب قوة خصومها وحدهم، بل لأن شهوة الهيمنة لا تعرف حدًا، فتبدأ قوى الصراع باستهلاك بعضها بعضًا حتى تنهك نفسها بنفسها.
ومن بين رماد تلك الدورات القاسية يولد دائمًا أمل جديد، لأن الخير قد يتأخر، لكنه لا يموت.
ولهذا أكرر، بعد كل يوم مضى من هذه الحرب الملعونة، أن الخطر الحقيقي لم يكن في اندلاعها فحسب، بل في المشروع الذي سعى إلى منع اليمن من استعادة صورته التي عرفها أبناؤه، وإلى إعادة تشكيله بما يخدم إرادات الآخرين أكثر مما يعبر عن إرادة اليمنيين أنفسهم.
ولا سبيل إلى وقف التشظي الذي أصاب الوطن، إن كان لا يزال بالإمكان وقفه، إلا بقراءة واقعية وشجاعة للمشهد؛ قراءة تعترف بمسؤولية القوى المحلية، كما تكشف حجم تأثير القوى الإقليمية والدولية، بعيدًا عن الإنكار أو التبرير أو الانتقائية.
فبناء الحل يبدأ أولًا بفهم طبيعة الأزمة، لأن الأوطان لا تُنقذ بالأوهام، وإنما بالوعي، ولا تُستعاد بالشعارات، وإنما بإرادة وطنية حرة تضع اليمن فوق كل ولاء آخر.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن الحروب تنتهي يوم تدرك القوى المتصارعة أن استمرارها أصبح أكثر كلفة من إنهائها، لكن الأوطان لا تنتظر تبدل موازين القوى وحدها،
بل تصنع مستقبلها حين تستعيد وعيها الوطني، وتتوحد إرادتها، وتغلب مصلحة الوطن على كل مصلحة سواه. وذلك هو التحدي الأكبر الذي يواجه اليمن اليوم، وهو أيضًا الأمل الذي ينبغي ألا يفقده اليمنيون مهما اشتدت المحن.
✍️ أ فيصل بن امين ابوراس
سفير وسياسي يمني