عيدكم مبارك
حين كنا أطفالًا، كنا نظن أن آباءنا لا يتعبون، ولا يخافون، ولا يحتارون أمام تقلبات الحياة. كنا نرهقهم بكثرة مطالبنا ونقاشاتنا دون أن نفكر في عملهم او صحتهم او وضع البلد او غيره،
بينما يلوذون هم بالصمت؛ ذلك الصمت الذي كانوا يخبئون خلفه قلقهم، ويدارون وراءه تعبهم المنصهر في تفاصيل مسؤولياتهم اليومية.
اليوم، وعندما وصلنا إلى أعمارهم وفهمنا حقيقة ما كانوا يمرون به، أدركنا أنهم لم يكونوا كائنات خارقة كما كنا نعتقد؛ بل كانوا يرتجفون مع كل طلبٍ نطلبه في العيد، خشية أن نلمح انكسارًا في نظراتهم حين لا يجدون من المال ما يكفي لتلبية رغباتنا البسيطة.
الآن فقط، نفهم كيف كانوا يكملون طريقهم بصمت صابر، ويرسمون على وجوههم ابتسامة توحي لنا بأن أمورهم على أفضل حال، لأنه لم يكن أمامهم من خيار سوى الثبات.
لقد كانوا يعانون كل يوم، ويحترقون بصمت، لتنعم بقية الأسرة بالأمان. اليوم، من كان لديه أبٌ وأم، فليذهب إليهما وليقل لهما: "الآن فهمنا.. أنكم أنتم، وبوجودكم وحده، يتخلق العيد.. وعيدكم مبارك".
فتحية إجلال وتقدير مني لكل أسرة يمنية تكافح في بلدنا في ظل هذا الوضع المأساوي من أجل أطفالها وعيدكم مبارك.
واعتذارٌ لكل أبٍ وأمٍ في اليمن، لأننا رحلنا عنها، وتركنا المجتمع يئن تحت وطأة الجهل والعبث والفقر والعصابات التي تغلغلت في مفاصلها كنهش السرطان ويخالجنا الخجل اليوم ونحن ننعم بالاستقرار والأمان في الخارج، بينما ينزف وطننا ويعاني.
وأعلم يقينًا أنه لا يوجد سؤال يستوطن عقل كل يمني اليوم، ويسلبه طمأنينته، مثل ذلك السؤال الحائر والمخيف: "ثم ماذا بعد؟ وكيف الخلاص؟".
وعيدكم مبارك، سائلين الله أن يطوي غياهب المعاناة عن بلدنا، وأن نهتدي إلى درب الخلاص والرفعة نحو الغد.