العرب الداء والدواء
يغرق العرب في دوامة هائلة من الأزمات وسلسلة متناسلة من الأمراض والعاهات، يتداخل فيها السياسي بالاقتصادي والأمني بالاجتماعي والنفسي، وكأن التاريخ الحديث للعرب يبدو سلسلة غير متناهية من الفشل الظاهر والخفي ومساراً من الحروب الداخلية والصراعات البينية. ولا شك أن بعض هذه الأزمات المستفحلة فرضت عليهم بفعل التدخلات الخارجية وموازين القوى القاهرة، ولكن بعضها الآخر من صنعهم وبما فعلت أيديهم.
نحن هنا إزاء حالة عامة وشاملة تمتد مشرقاً ومغرباً، وتشمل أقطار العرب، الكبير منها والصغير والغني والفقير، وأي اختلاف ففي الدرجة وليس في النوع. فمن لا يعيش منهم حرباً ساخنةً ومستعرة يعيش حرباً باردة وصامتة،
ومن لا يعاني عدواناً إسرائيلياً مباشراً يعيش انقسامات حادّة وحروباً داخلية ومعارك بينية،
وليس سرّاً أن هذه الرقعة من العالم باتت الأكثر إنفاقاً من ناحية التسلح وهدر الأموال. ومع ذلك، هي الأقل أماناً وأمناً، وهي زيادة عن ذلك في مقدمة البلدان المصدّرة للهجرة واللجوء السياسي والطاردة للكوادر والكفاءات العلمية.
تعرّض لبنان ولا يزال لعدوان إسرائيلي غاشم، ولا سيما أن دولة الاحتلال قد اقتطعت ما يزيد عن عُشر مساحته، بعدما استحوذت على عشرات القرى في الجنوب، ويخضع لقصف مستمرّ.
وغزة انتهب من أرضها ما يفوق النصف تحت عنوان المنطقة الصفراء العازلة، مع سياسة حصار وتجويع بلا نهاية، بعد حرب إبادة جماعية مفتوحة سنتين.
والضفة الغربية تخضع لسياسة استيطان وتمدّد صهيونيين غير مسبوقين.
ويغرق السودان في حرب أهلية مزمنة، زادت في تقسيم المقسّم.
والعراق منقسم على نفسه بين سنة وشيعة وعرب وكرد.
ولا وجود لليبيا الموحدة إلا في بعض المحافل الدولية والوثائق الرسمية، أما واقعاً فموزّعة بين شرق وغرب.
اليمن موزّع بين حكومة أمر واقع تسيطر على العاصمة وأغلب مدن الشمال وأخرى معترف بها تتموضع في محافظات الجنوب والشرق.
الدول العربية خارج دائرة النزاعات الظاهرة تعيش أزمات مستترة واستقراراً هشّاً يمكن أن يهتز في أي وقت، بسبب اتساع الأزمات الاقتصادية والصراعات السياسية ووطأة الحالة الاستبدادية والخيارات الانقلابية.
وحتى دول الخليج التي كانت في مأمن نسبياً من دوامة الأزمات العربية، وتمكّنت من تأمين الاستقرار بفعل الرفاه النفطي، تواجه اليوم مخاطر جيواستراتيجية واقتصادية غير مسبوقة في سياق الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز.
هناك أسباب بنيوية للأزمات العربية الراهنة والسابقة بما يتجاوز قدرة الحاكمين والمحكومين. ودليل هذا أنه تداولت على مقاليد الأمور في البلدان العربية تيارات وأسر وزعامات، من الليبراليين الناصريين واليساريين والإسلاميين، ومن التقليديين والحداثيين والجمهوريين والملكيين، ولكن الأمور بقيت تراوح مكانها تقريباً، إن لم تكن قد تدحرجت نحو الأسوأ.
ينبهنا الكاتب الأميركي، جيريمي سولت، في كتابه المهم "تفتيت الشرق الأوسط" إلى أن هذه الرقعة خضعت للهندسة السياسية من القوى الكبرى المتصارعة على المجد والنفوذ، وأُعيد تشكيلها عبر قرنين من التدخلات العسكرية، والمؤامرات السياسية، والحدود المصطنعة،
من حملة نابليون على مصر أواخر القرن الثامن عشر إلى غزو العراق، ومن سايكس– بيكو إلى دعم الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين والمشرق العربي.
ولا يمكن تفسير هذا التاريخ الدرامي بالسرديات الشائعة عن التخلف الذاتي أو العنف الديني الداخلي، بل لا يمكن تفسيره إلا بنظام القوة والهيمنة، ولعبة المصالح الغربية.
وهذا يعني أن الجذور الحقيقية للأزمات التي تعصف بالشرق الأوسط، وفي القلب منه العالم العربي، الذي ظل قروناً في صدارة أولويات القوى الكبرى إنما يعود إلى هيمنة الخارج الذي صنع أوضاعاً عربية بالغة الوهن والهشاشة.
وهذا ما يغري بمزيد من الحروب والتدخلات لجني الأموال والأرباح من دون كلفة كبيرة. فمن الصعب أن يفكر الأميركي مثلاً في أعمال عسكرية ضد الهند أو الصين أو اليابان، لأنه بكل بساطة سيدفع ثمناً ثقيلاً من الجنود والأموال في مواجهة قوى مكينة.
ومن السهل عليه الإقدام على مغامرات وحروب سهلة ضد دول الشرق الأوسط الأكثر ضعفاً وخضوعاً، هذا إذا استثنينا تجربة الحرب المستعصية مع إيران اليوم، إذ يفترض هنا أن يكون ميزان المنافع والمرابح أعلى بكثير من الخسائر وبعض التضحيات.
ولذلك كانت هذه المنطقة، وما زالت، إلى جانب أميركا الجنوبية، الأكثر استباحة وتدخلاً خارجياً بما لا نظير له، في كل مرة تصطنع قصة لتكثيف الحضور العسكري والأمني في الشرق الأوسط، ولاستباحة أراضيه وأجوائه ومياهه ونهب ثرواته والحبل على الجرار.
وحتى النفط الذي كان من المفترض أن يكون سبيلاً لنفع العرب والارتقاء بمعاشهم وتحسين أحوالهم تحول إلى مجلبة لتدخلات وشرور كثيرة.
ولكن ما سبق يجب أن لا يوقعنا في حبال "الحتمية البنيوية"، أو يجعلنا ننكر وجود أقدار من المسؤولية هي من نصيب العرب أنفسهم، وبفعلهم، فلم يكن قدراً حتميّاً أن يبدّد القادة العرب أموالهم وطاقاتهم في كيد بعضهم لبعض ومحاربة شعوبهم، ولا قدراً حتمياً أن يكون أكبر عدد من ضحايا الاعتقال والتعذيب والمهجرين في العالم من بين العرب.
بات العرب عبئاً على أنفسهم ومشكلة لمحيطهم المباشر وغير المباشر، فهم يتصارعون فيما بينهم ويصارعون من حولهم بلا توقف. وفي كل مرّة هناك عدو افتراضي، يتم صنعه على المقاس، وتكدس الأسلحة، وتبدّد الأموال ضده بلا نهاية. في ستينيات القرن الماضي، كان شيطان العرب الرسميين جمال عبد الناصر والقومية العربية الصاعدة.
ومنذ نهاية السبعينيات بدأ التحشيد ضد إيران الشيعية، ثم أصبحت المعضلة الكبرى صدّام حسين ومغامراته، وفي العشرية الثانية لهذا القرن غدا العدو الأكبر الثورات العربية وما يوصف بالإسلام السياسي، وفي كل مرة يتم اختلاق عدو حقيقي أو موهوم.
مشكلات العرب كثيرة ومتنوعة، تناسباً مع اختلاف أوضاعهم القُطرية وتنوع جغرافيتهم السياسية. وهناك معطيات موضوعية، تتعلق أساساً بثلاثي النفط وإسرائيل وشدّة القبضة الغربية على المنطقة.
ولكن ثمة عاملان ذاتيان يشلان القدرات العربية، وأوجدا أسباب الوهن والضعف العربيين، وزادا من استفحال التأثيرات الخارجية:
أولهما، غياب مشروع عربي جامع حول الحد الأدنى المشترك، بما غذّى وما زال يغذّي صعود النزعات العرقية والطائفية والقبلية والمهارشات القُطرية، إذ بات كل واحد منهم يغنّي على ليلاه، ويبحث لنفسه عن خلاص فردي، وكأنه جزيرة معزولة عمّا حوله من المحيط العربي تحت عنوان "بلدي أولاً وآخراً"، وحتى ما هو مشترك بينهم من وحدة اللغة والثقافة والذاكرة التاريخية والمصالح الجمعية تحول إلى عناصر محرّكة للفتن والصراعات.
وذلك كله ناتج عن غياب البوصلة السياسية والبصيرة الاستراتيجية والعجز الإرادي عن تقدير المصالح الجمعية والتعالي على الهشاشة البنيوية للدولة العربية الناتجة عن سياقات تاريخية معروفة، ولا فائدة في تكرار الحديث عنها،
فإذا كانت بريطانيا سليلة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس قد جرّبت نظرية "بريطانيا أولاً" وفق السردية اليمينية والشعبوية لتسويغ الخروج من حاضنتها الأوروبية، فإذا بها تصطدم بجدار الجغرافيا ونسيج المصالح مع محيطها القارّي، بما اضطرّها إلى البحث عن إمكانات العودة التدريجية إلى البيت الأوروبي.
إذا كانت هذه بريطانيا العظمى، فما بالك بكيانات عربية هشّة ومحاصرة بإسرائيل ومثقلة بالتدخّلات الأجنبية.
العنصر الثاني غياب القيادة السياسية الجدّية التي تضبط الحد الأدنى من إيقاع الجسم العربي، وتصوّب بوصلته في الوجهة السليمة. لقد خلف الغياب الإرادي لمصر منذ "كامب ديفيد" أواخر السبعينيات، حالة من الفراغ السياسي المريع في المشهد العربي مع غياب قوة بديلة، إما لتردّد وعجز وإما لانعدام الرغبة وإما لكل هذه العناصر مجتمعة في سد هذا الفراغ الاستراتيجي.
وحتى جامعة الدول العربية المفترض أن تحمي الأمن الجماعي للعرب، وتحصّن مصالحهم الجمعية، تحوّلت بعامل الوقت جسماً كسيحاً بلا حياة ولا حركة، ولا يكاد يرى لها أثر، إلا عند طلب غطاء عربي "جامع"، لتدخّل عسكري خارجي ضد هذا النظام العربي "المارق" أو ذاك.
والمفارقة العجيبة هنا أن الأوضاع الدولية تبدو، عند التشخيص الدقيق، مواتية، بل مساعدة على نهوض العرب وتعافيهم أكثر من أي وقت مضى، فحالة الانتقال من الأحادية القطبية القاهرة إلى التعدّدية القطبية التي فرضت نفسها في العقدين الأخيرين من شأنها أن تمنحهم مجال مبادرة أكبر وحركة أوسع، مثلما تخفّف عنهم، قبضة القوى التقليدية الكبرى، الماسكة بأزمة المنطقة منذ الحرب العالمية الأولى،
وبما يمنحهم، في الحد الأدنى، إمكانية نسج تحالفات وبناء تعاقدات جديدة أكثر توازناً وتنوّعاً، بعيداً عن علاقة السيد الآمر الناهي بالعبد الساكن والخاضع على النحو الذي استقرت عليه الأمور منذ الحرب العالمية الأولى.
كما أن التحوّلات الجارية في الحزام الإقليمي المباشر تمنح العرب عمقاً استراتيجياً بشكل غير مسبوق، فتركيا أردوغان أحرص ما يكون على تجديد صلاتها وتوثيق مصالحها مع العرب، وهي تتخفّف تدريجياً من ثقل نزوعاتها القومية الانعزالية، بعدما أدارت ظهرها للعرب، منذ تشكل تركيا الحديثة في عشرينيات القرن الماضي. إيران نفسها،
ورغم ما تثيره من بعض الأتعاب، وفي ظل توجهاتها الاستقلالية التي يمتزج فيها القومي بالديني، وتحت ضغط التهديدات الغربية، ترغب في علاقات أكثر توازناً مع العرب بعيداً عن الأساطيل الأجنبية، باكستان النووية ولأول مرّة تتحرّك بخطى ثابتة نحو العرب من موقع الحاجة المتبادلة.
كان الفوران الثوري العربي، في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، يصطدم بحلف بغداد وتحديداً بتركيا مناوئة، وإيران شاهية معادية. أما اليوم فقد بات العرب الحلقة المفقودة والمشلولة التي تحول دون تعافي منطقة الشرق الأوسط أو الشرق الإسلامي الكبير.
والمعضلة الكبرى أن "القلب العربي" فقد الحسّ السياسي السليم، فلا هو قادر على إدراك موقعه في هذا العالم المتقلب من حوله، ولا هو قادر على التقاط ما يقع في محيطه من تحولات وما يجري من تطوّرات، ولا هو مستعد للاستفادة من هذه التحولات الدولية والإقليمية.
في الخلاصة، العرب هم الداء والدواء. هم الداء ليس لأن نصيبهم هو الأكبر في الأزمات والصراعات فحسب، بل أيضاً لأنهم الحلقة الغائبة والتائهة في الإقليم. وهم الدواء لأنه بتعافيهم تتعافى كل المنطقة وتشق طريقها نحو النهوض مجدّداً.
رفيق عبد السلام