المبعوث الأممي يتمسك بصفقة الأسرى رغم تباينات الفرقاء
الرأي الثالث - متابعات
تلقى المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ "التزامات متجددة" من الحكومة المعترف بها وميليشيات الحوثي، بتنفيذ اتفاق تبادل الأسرى غداة إعلان طرفي النزاع تأجيل تنفيذ الاتفاق الذي كان مقرراً أمس.
وقال في بيان عبر منصة "إكس" إنه تلقى خلال الساعات الـ 48 الماضية "تأكيدات متجددة من الحكومة والحوثيين حول التزامهما التنفيذ الكامل لاتفاق مايو (أيار) 2026، المتعلق بالإفراج عن أكثر من 1600 محتجز على خلفية النزاع".
بيان المبعوث الأممي أعاد أمل العائلات المنتظرة ويفتح نافذة أمل نحو سلام مستدام طال انتظاره، ووفقاً لذلك حث الطرفين على "تكثيف جهودهما لاستكمال الترتيبات الفنية والتشغيلية الباقية في أقرب وقت ممكن"، مؤكداً أن "الطرفين أكدا التزامهما ذلك" من دون تفاصيل.
ودعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر خلال بيان صدر عن مكتبها في اليمن أمس ونُشر على منصة "إكس"، إلى "تيسير عمليات إطلاق ونقل المحتجزين على ذمة الصراع في اليمن".
وأوضح البيان أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، تبقى "بصفتها وسيطاً محايداً على أهبة الاستعداد لتيسير نقل المحتجزين المزمع الإفراج عنهم وإعادتهم لأوطانهم بأمان وفي ظل احترام كرامتهم وفق ما ينص عليه الاتفاق المبرم بين الأطراف في عمان".
وأضافت اللجنة أنها تبقى على التزامها تنفيذ هذه العملية الإنسانية المعقدة، في أسرع وقت ممكن لكي يتسنى لمّ شمل العائلات بأحبائها، وأردفت "نشجع الأطراف على مواصلة الجهود الجارية لتيسير عمليات الإفراج عن المحتجزين ونقلهم".
وتأتي مساعي المبعوث الأممي في محاولة لإنقاذ التفاهمات السابقة التي جرت في عمان وتوصلت عقب محادثات امتدت لثلاثة أشهر إلى الاتفاق المبرم بإطلاق سراح 1600 من المعتقلين والمحتجزين باعتبار هذا الملف أحد أكثر الملفات أهمية والأكثر تداولاً في الشأن اليمني.
وعلاوة على أن إتمام تنفيذ اتفاق التبادل ملف إنساني يلامس أوجاع مئات الأسر اليمنية التي تنتظر ذويها منذ أعوام طويلة، يُنظر إليه على أنه خطوة واعدة تسهم في بناء الثقة وتؤسس لاختراق ملفات أخرى ترتبط بالسلام المستدام.
رهان أممي على تجاوز العقبات
على رغم حال التفاؤل الجديد التي يبثها تصريح المبعوث الأممي بإعلان الطرفين التزام الاتفاق، فإن تعثره أمس يكشف عن استمرار العقبات والشروط التي تواجه عملية التبادل وغياب الثقة بين الجانبين وهو اختبار عملي لمدى نجاح المساعي الأممية في اليمن.
ولحلحلة هذه الإشكالات، من المتوقع أن تعمل الأمم المتحدة على دفع الطرفين إلى استكمال القوائم المتفق عليها والتزام الإجراءات الفنية المرتبطة بعملية الإفراج والنقل وتذليل الصعاب للحيلولة دون تكرار عرقلة هذه التفاهمات الواعدة.
كذلك، سيسهم تنفيذ الصفقة في تثبيت التهدئة الحاصلة والسعي إلى الانتقال لملفات لاحقة تتعلق بالعملية السياسية تجنباً للتصعيد الذي طرأ خلال الأيام الأخيرة بين الحوثيين من جهة، والحكومة الشرعية وداعميها في التحالف العربي بقيادة السعودية، من جهة أخرى.
وفيما حملت الحكومة المعترف بها دولياً ميليشيات الحوثي المدعومة من النظام الإيراني "مسؤولية إفشال تنفيذ صفقة تبادل المحتجزين والمختطفين، التي كان من المقرر البدء بتنفيذها السبت عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بموجب اتفاق التبادل الموقع بين الجانبين برعاية الأمم المتحدة"، اتهمت الحوثيين بالمماطلة في تنفيذ "ما اتفق عليه".
أجل غير معلوم
ونقلت وكالة "سبأ" الرسمية عن رئيس الفريق الحكومي المفاوض في ملف المختطفين والأسرى، هادي هيج، قوله إن الفريق الحكومي "تلقى بلاغاً من اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن يفيد برفض ميليشيات الحوثي تنفيذ الصفقة في موعدها المحدد، وتأجيلها إلى أجل غير مسمى".
مؤكداً أن قرار الحوثيين تأجيل العملية في اللحظات الأخيرة أدى إلى تعطيل الجهود الإنسانية الرامية إلى إنهاء معاناة الأسرى وأسرهم.
وأوضح هيج، أن الفريق الحكومي كان قد استكمل جميع الإجراءات اللازمة لإنجاز عملية التبادل وإطلاق سراح المختطفين والمحتجزين، على رغم ما وصفها بالعراقيل التي وضعتها جماعة الحوثي لإفشال إتمام الصفقة سلفاً.
ورقة في ملف السياسة
تصريح رئيس الوفد الحكومي تطرق للأسباب التي تقف خلف سعي الحوثيين إفشال هذه الخطوة التي علق عليها اليمنيون آمالاً عريضة لتخفيف الآثار الإنسانية المعقدة التي يعيشونها جراء الصراع،
واعتبر أن ما جرى "تأكيد على استمرار الحوثيين في استغلال ملف المحتجزين والمختطفين كورقة ابتزاز سياسي وعسكري واقتصادي، وعدم اكتراثها بالمعاناة الإنسانية التي يعيشها آلاف الأسر اليمنية المنتظرة للإفراج عن ذويها".
وكان من المقرر أن تسفر صفقة التبادل الموقعة برعاية الأمم المتحدة عن الإفراج عن 1680 من الأسرى والمختطفين، بينهم 1100 من عناصر ميليشيات الحوثي، و580 يتبعون الحكومة اليمنية والتحالف العربي بقيادة السعودية
على أن تنطلق رحلات التبادل الجوي للأسرى اليوم برحلة أولى متبادلة بين عدن وصنعاء، تليها في اليوم الثاني رحلة ثانية بين صنعاء والساحل الغربي، فيما ستكون رحلة اليوم الثالث والأخير بين مأرب وصنعاء.
فشل الصفقة، أو تأجيل إتمامها في حال نجحت الجهود الأممية بإنقاذها مجدداً، يمثل تعثراً جديداً للتوافق الجزئي النادر والوحيد بين الحكومة الشرعية والجماعة المدعومة من إيران، وهو ما اعتبر نجاحاً وحيداً ملموساً للوساطة الأممية والإقليمية في ظل تصعيد حوثي يهدد بانهيار حال التهدئة القائمة منذ أبريل (نيسان) 2022،
برز أيضاً في عودة خطاب التهديد الحوثي المعتاد للجارة السعودية، الراعي الأكبر للحكومة المعترف بها.
الإفراج عن "فرق الاغتيال"
الحوثيون في رواية التبرير من جانبهم، اتهموا الحكومة بـ"المماطلة" في تنفيذ الاتفاق.
وقال رئيس لجنة شؤون الأسرى التابعة للميليشيات عبدالقادر المرتضى، إن "التأخير الحاصل في تنفيذ صفقة تبادل الأسرى يعود إلى مماطلة الطرف الآخر في تنفيذ الالتزامات المتفق عليها"، وفقاً لمنصة "سبأ" الخاضعة لسيطرة الجماعة.
وأضاف أن "الطرف الآخر رفض إضافة بقية الأسرى الموجودين لديه، وهو ما أعاق تنفيذ الاتفاق في موعده المحدد، على رغم استكمال اللجنة لجميع الإجراءات المطلوبة"
في إشارة لإصرار الحوثيين على الإفراج عن خلايا وفرق اغتيالات تابعة لهم تمكنت على مدى الأعوام الماضية من تصفية عدد من المسؤولين الحكوميين والقادة العسكريين والصحافيين التابعين للحكومة الشرعية، وفقاً لتصريحات متداولة.
المعتقل اللغز
ومن أبرز الجوانب المعقدة المتعلقة بهذا الملف، قضية الأسرى الذين ما زال مصيرهم مجهولاً لدى الحوثيين الذين يقابلون دعوات التعاطي الجاد مع كشف مصيرهم بمزيد من الرفض والتعنت، كما هي حال القيادي في حزب الإصلاح، فرع جماعة "الإخوان المسلمين"، محمد قحطان، المغيب لديهم منذ أكثر من 10 أعوام.
وأمس الجمعة، تداول اليمنيون قضية قحطان مع بدء إجراءات التحقق من رفات يعتقد أنه يعود إليه بعد اختطافه وانقطاع أخباره منذ عام 2015.
وتصاعدت التكهنات إثر نشر تصريحات أسرة قحطان التي تحدثت فيها عن معاينتها برفقة لجنة من الصليب الأحمر والأمم المتحدة والحكومة الشرعية، "رفاتاً غير مكتمل وأخذ عينات للفحص".
ومن اللافت في قصة "مماطلة الحوثيين الكشف عن مصيره" على مدى الأعوام الماضية لتكشف أسرته أمس تسليم الجماعة جثماناً "بلا رأس وقفص صدري" قالت إنه يعود إليه، وسط صدمة أسرته التي ظلت تؤمل أن تجد عائلها حياً يُرزق.
لكن الناطق الرسمي باسم حزب الإصلاح عدنان العديني قال إن لجنة المعاينة المكلفة التحقق من مصير القيادي السياسي محمد قحطان "أنهت أعمالها من دون العثور عليه"
مؤكداً أن القضية "لا تزال مفتوحة وأن أي رواية لا تقدم إجابة واضحة وموثقة عن مصيره لن تنهي الملف".
وعزز نفيه بتساؤل مفاده "أين محمد قحطان؟"، مضيفاً أنه "لا يمكن الانتقال إلى أي نقاش آخر قبل الحصول على إجابة واضحة وموثقة عن مصيره".
وحمل العديني ميليشيات الحوثي "المسؤولية الكاملة باعتبارها الجهة التي احتجزت قحطان منذ عام 2015"، مطالباً إياها "بالكشف عن مكان وجوده أو الإفراج عنه".
رفات خارج اليمن
وجاءت تصريحات العديني عقب بدء اللجنة الرباعية التي تضم ممثلين عن الحكومة اليمنية وميليشيات الحوثي واللجنة الدولية للصليب الأحمر ولجنة الطب الشرعي، أعمالها في صنعاء، تنفيذاً للاتفاق الذي أُبرم بين الحكومة والحوثيين في مايو (أيار) الماضي داخل عمان.
وبحسب مصادر متطابقة، عاينت اللجنة رفاتاً قالت الجماعة التي ترى أن لها "الحق الإلهي في حكم اليمنيين والأمة"، إنه يعود إلى محمد قحطان، وأخذت عينات من الحمض النووي بحضور ممثلين عن أطراف اللجنة وأفراد من أسرة قحطان
على أن ترسل إلى مختبر متخصص خارج اليمن لإجراء الفحوص اللازمة، فيما لم تصدر حتى الآن أي نتائج رسمية تؤكد هوية الرفات أو تحسم مصير السياسي المختطف.
وفي وقت سابق من الأسبوع الجاري اتهم مسؤول يمني جماعة الحوثي بتصفية قحطان.
وقال وكيل وزارة الإعلام محمد قيزان، عبر حسابه على منصة "إكس" إن قحطان "تعرض للتصفية الجسدية من قبل الميليشيات الحوثية بعد 10 أعوام من اختطافه وإخفائه قسراً".
وأضاف أن الحوثيين يروجون لرواية تفيد بأن قحطان توفي نتيجة قصف، معتبراً أن هذه الرواية "لا يمكن القبول بها".
وحمل قيزان، زعيم الجماعة "عبدالملك الحوثي شخصياً بصفته قائد الجماعة التي كانت تحتجزه طوال هذه الأعوام، وهو مسؤول عن سلامته وفق القانون الدولي".
وتابع "هذه الجريمة تستوجب تحقيقاً دولياً مستقلاً وشفافاً لكشف الحقيقة كاملة ومحاسبة جميع المسؤولين عنها وإنصاف الضحية وأسرته ووضع حد لسياسة الإفلات من العقاب".
وفي الـ14 من مايو (أيار) الماضي وقعت الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي في العاصمة الأردنية عمان اتفاقاً لتبادل الأسرى من الجانبين عقب مشاورات استمرت ثلاثة أشهر برعاية أممية وإقليمية.
ويقضي الاتفاق بالإفراج عن نحو 1700 محتجز من الطرفين، من بينهم سبعة سعوديين و20 سودانياً من قوات التحالف العربي في أكبر صفقة لتبادل الأسرى من نوعها في البلاد.
توفيق الشنواح
صحافي يمني