وسط حرب البيانات.. اختراق جوي يُشعل أزمة مطارات اليمن
الرأي الثالث - متابعات
في خرقٍ جوي صاعق، كسرَ الخطوط الحمراء وقَلب حسابات الأجواء اليمنية رأساً على عقب، باغتت طائرة مدنية إيرانية الجميع بالهبوط في مدرج مطار الحديدة الدولي (غربي البلاد)
هذا الاختراق الدراماتيكي لم يقف عند حدود المدرج، بل فجّر أزمة نقل جوي خانقة وأرخى بظلال من الارتباك والتناقض داخل أروقة الحكومة المعترف بها دولياً ، مهدداً بنقل الصراع من الميدان الأرضي إلى معركة سيادة جوية مفتوحة على كل الاحتمالات.
هذه الخطوة المباغتة أرخت بظلال من الارتباك على الحكومة المعترف بها دولياً، إذ سرت أنباء عن مسارعة الهيئة العامة للطيران المدني التابعة لها في عدن إلى إعلان إغلاق الأجواء والتعليق الفوري لكافة المطارات في الجمهورية اليمنية حتى إشعار آخر،
قبل أن تصدر وزارة النقل بياناً بنفي قرار إغلاق المطارات، مع يعني استئناف الملاحة مسارها الطبيعي، مؤكدة أن "الحركة تسير وفق البرامج التشغيلية المعتمدة".
وتشهد البلاد إثر ذلك أزمة عاصفة نتيجة اختراق إيراني ثانٍ للأجواء اليمنية عبر طائرة مدنية غضون أيام قليلة، إذ استهدفت الرحلة الأولى مطار صنعاء الدولي، فيما غيّرت الطائرة الثانية وجهتها من مطار صنعاء، بعد رصدها وتتبعها وقصف المطار من قوى التحالف، لتفاجئ الجميع بالهبوط في مطار الحديدة الدولي الذي كان خارج الخدمة تماماً.
الأقمار الاصطناعية تفك اللغز
وفي هذا السياق، كشف الباحث المتخصص في تدقيق البيانات وتتبع حركة السفن والطائرات، فاروق مقبل، أن عمليات الرصد وصور الأقمار الاصطناعية الحديثة تُظهر أن أعمال تجهيز وتعبيد مدرج مطار الحديدة جرت قبل أيام قليلة فقط من الحادثة
مشيراً إلى أن المطار قبل هذا التجهيز السريع لم يكن مهيأً أبداً لاستقبال طائرات مدنية بهذا الحجم.
في المقابل، اعتبر الخبير الاقتصادي في صنعاء، رشيد الحداد، أن الوضع القائم الذي يفرض قيوداً على مطارات صنعاء والحديدة وبقية المنافذ يندرج ضمن تدابير "الحصار"
مؤكداً أن "القرار الفعلي والسيادي بشأن فتح أو إغلاق المطارات والموانئ في عموم اليمن ليس بيد الحكومة القائمة في عدن".
ومن جانب آخر، كشفت مصادر مطلعة في وزارة النقل اليمنية أن الوزارة كانت قد استكملت إعداد خطة متكاملة لاستئناف الرحلات بين صنعاء والعاصمة الأردنية عمان، والتوسع نحو وجهات دولية أخرى بعد الحصول على التراخيص اللازمة.
إلا أنها فوجئت بمحاولات حوثية لفرض واقع ميداني يخالف القانون الدولي والسيادة اليمنية، وهو ما تراه خطوة تقوّض جهود السلام وتطيل أمد معاناة الشعب اليمني.
مطار الحديدة من الركام والملامح الأممية إلى المدرج العسكري
يعيد هذا التطور مطار الحديدة إلى الواجهة السياسية والعسكرية مرة أخرى بعد فترة توقف طويلة تقاسم فيها مع الميناء القريب الحصة الأكبر من القصف والغارات.
وكان المطار، حتى وقت قريب، ساحة غير آمنة تنتشر في أجزاء واسعة منها الألغام الأرضية جراء معركة الحديدة الشهيرة، قبل أن يوقفها اتفاق السويد (ستوكهولم) في العام 2018، والذي أخضع بموجبه الميناء للجنة تفتيش أممية.
ولم يشهد المطار طوال السنوات الماضية سوى حركة يتيمة في 7 يونيو/ حزيران 2023، عندما نفذت مروحية تابعة للبعثة الأممية رحلة تجريبية قادمة من صنعاء،
واقتصرت على عمليتَي هبوط وإقلاع خاطفتَين لقائد الطائرة بمفرده، لتكون أول طائرة تلامس أرض المطار منذ عام 2015.
ويُصنف مطار الحديدة كأحد أكبر المطارات اليمنية وميناء الشحن الجوي الأول في البلاد، نظراً لموقعه الاستراتيجي الرابط بين مناطق تهامة الخصبة والوديان المحيطة بها.
وأفادت مصادر مطلعة في صنعاء بأن خطة تأهيل المطار وُضعت في عام 2023، وشملت مخططات وتصاميم فنية وهندسية متكاملة جرى تنفيذها على مراحل طوال الأعوام التالية، كما شملت الخطة مطارات أخرى تقع تحت سيطرة الحوثيين مثل مطار تعز الدولي.
حرب البيانات والسيادة
وحمّلت وزارة النقل اليمنية جماعة الحوثي المسؤولية الكاملة عن الأزمة الخانقة في النقل الجوي، متهمة إياها بإقحام الناقل الوطني (الخطوط الجوية اليمنية) في الملفات السياسية والعسكرية، والسعي للسيطرة على الشركة وتعطيل عملها، ولا سيما بعد الإجراء الحوثي بتجميد أرصدة الشركة في البنوك الواقعة تحت سيطرتهم دون أي مسوغ قانوني.
وفي ردة فعل رسمية بلهجة غير مسبوقة، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، بياناً حاداً وصف فيه التطورات الأخيرة بأنها "تؤكد مضي المليشيا الحوثية في نهج تقويض فرص التهدئة، ورفض كل المبادرات الحامية لمصالح المواطنين"
وأشار العليمي إلى أن الإصرار على استقبال رحلات إيرانية خارج الأطر القانونية يعكس استخفافاً بمؤسسات الدولة ودفعاً نحو مزيد من التصعيد.
واختتم البيان الرئاسي بالإشارة إلى أن الحكومة الشرعية كانت قد أبدت مرونة عالية، عارضةً استئناف الرحلات المدنية عبر الناقل الوطني من وإلى مطار صنعاء، وتسهيل نقل الوفد الحوثي من طهران عبر طائرة تستأجرها شركة "الخطوط اليمنية"، بما يحفظ سيادة الدولة والالتزامات الدولية وقرارات مجلس الأمن،
إلا أن الحوثيين رفضوا كافة المبادرات وفضلوا سياسة فرض الأمر الواقع.