• الرئيسية
  • من نحن
  • الإفتتاحية
  • اتصل بنا
  • English
إذهب إلى...
    الرأي الثالث الرأي الثالث
    • أحدث الأخبار
    • أخبار خاصة
    • قضية ساخنة
      • أ.م.د.علي متولى أحمد
    • حوارات
    • كتابات وآراء
      • عبدالوهاب طواف
      • سامية الأغبري
      • شيرين مكاوي
      • حسين الوادعي
      • ديمة ناصيف
      • د. مـروان الغفوري
      • خالد الرويشان
      • الدكتور زارا صالح
      • د. عادل الشجاع
      • محمد المسوري
      • فتحي بن لزرق
      • بشير عثمان
      • علي البخيتي
      • الدكتور فيصل الحذيفي
      • سامي كليب
      • محمد عياش
      • هند الإرياني
      • نهى سعيد
      • عبدالإله المنحمي
      • حسن عبدالوارث
      • محمود ياسين
      • محمد جميح
      • فتحي أبو النصر
      • أمل علي
      • أ.د. أيوب الحمادي
      • ياسر العواضي
      • منى صفوان
      • د. أبوبكر القربي
      • د. أروى أحمد الخطابي
      • نبيل الصوفي
      • ضياء دماج
      • محمد سعيد الشرعبي
      • الشيخ عبدالعزيز العقاب
      • أحمد عبدالرحمن
      • د. منذر محمد  طارش 
      • فكري قاسم
      • د. باسل باوزير
      • Maria Zakharova
      • خليل القاهري
      • عادل الحداد
      • أمين الوائلي
      • د. محمد الظاهري
      • سمير الصلاحي
      • سارة البعداني
      • د محمد جميح
      • محمد النعيمي
      • نائف حسان
      • حسن عبدالله الكامل
      • أمة الله الحجي
      • فؤاد المنتصر
      • محمد عايش
      • حنان حسين
      • صبحي غندور
      • سمر أمين
      • اسكندر شاهر
      • كمال عوض
      • عبدالخالق النقيب
      • معن بشّور
      • جهاد البطاينة
      • د.عامر السبايلة
      • محمد محمد المقالح
      • الدكتور إبراهيم الكبسي
      • أحمد سيف حاشد
      • القاضي عبدالوهاب قطران
      • حسين العجي العواضي
      • نايف القانص
      • همدان العلي
      • مجاهد حيدر
      • حسن الوريث
      • د.علي أحمد الديلمي
      • علي بن مسعود المعشني
      • خميس بن عبيد القطيطي
      • د.سناء أبو شرار
      • بشرى المقطري
      • م.باسل قس نصرالله
      • صالح هبرة
      • عبدالرحمن العابد
      • د. عدنان منصور
      • د. خالد العبود
      • أ.عبدالله الشرعبي
      • أ.م.د.علي متولى أحمد
      • أحمد غراب
      • الدكتور علي الأشبط
    • صحف عربية وعالمية
    • تقارير عربية ودولية
      • تقارير عربية
      • تقارير دولية
      • أ.م.د.علي متولى أحمد
    • أدب وثقافة
    • إقتصاد
    • فن
    • رياضة
    • المزيد
      • وسائل التواصل الإجتماعي
      • إستطلاع الرأي
      • أخبار المجتمع
      • علوم وتكنولوجيا
      • تلفزيون
      • من هنا وهناك
      • فيديو
    إذهب إلى...

      شريط إخباري

      • أمير قطر يواصل استقبال المعزين بالراحل الشيخ حمد لليوم الثاني
      • نبيل فهمي يبدأ ولايته في الجامعة العربية بتحرك دفاعاً عن فلسطين
      • قتيلان من قوات الأمن في هجوم استهدف مقراً أمنياً في أبين
      • جولة سادسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في روما برعاية أميركية
      • غروندبرغ يعقد لقاءات في مسقط لخفض التصعيد في اليمن
      • المبعوث الأممي يتمسك بصفقة الأسرى رغم تباينات الفرقاء
      • هجوم روسي بالصواريخ الباليستية على كييف
      • التصعيد في المنطقة يستوجب تكاتفاً إقليمياً ودولياً لتعزيز الأمن
      • قتيل و8 مصابين بهجوم إيراني على سفينتين إماراتيتين في مضيق هرمز
      • مجلس الدفاع الوطني يقر إجراءات لتعزيز حماية السيادة

      من هنا وهناك

      صلالة العمانية: سيرة الضباب واللبان… سحر الطبيعة وسكون الزمن

      صلالة العمانية: سيرة الضباب واللبان… سحر الطبيعة وسكون الزمن

      14 يوليو, 2026

        الزائر لسلطنة عُمان لا يكتفي من سحرها، وكلما غادرها، حجز في وجدانه تذكرة عودة ترغب نفسه أن تكون قريبة ولا يغيب عنها أثرها. 
      هي هكذا بعض المدن؛ تسحرك وتجعل قرار العودة إليها محسوماً، دون عواصم أخرى تكتفي منها بجولة واحدة، بل وأحياناً ترغب في قصر مدتها. 
      إنها فلسفة الأماكن التي تولدها الأرواح التي مرت من هناك ذات يوم، عاشت وترعرعت ومنحت تلك البقاع شموخاً وسحراً عصياً على الوصف.
      عند الوصول إلى مسقط، عاصمة السلطنة الوادعة، تلفح وجه الزائر أشعة شمس الصيف الحارقة، وتلسع بشرته رطوبة الجو التي تغلف معظم مناطق الخليج العربي في هذه الفترة.
      غير أن عُمان هي الاستثناء الحقيقي في محيطها؛ ليس فقط في سياسات الحياد الإيجابي الهادئ التي تتبناها الدولة، ولا في طيبة شعبها الأصيلة والمتأصلة، بل في تضاريسها أيضاً.
       فمع ركوب طائرة الخطوط المحلية والتوجه جنوباً، تتراءى للمسافر من نافذته جغرافيا مغايرة تماماً، حتى يصل إلى مطار صلالة الذي يعجّ بالازدحام وكأن المدينة تتزين لتنظيم حفل زفافها الكبير، 
      وتتأهب لاستقبال المدعوين الوافدين إليها جواً وبراً عبر طريق مستقيم يشق نجد ظفار القاحل، حيث لا شيء سوى الحصى والسراب وأعمدة الكهرباء التي تتكرر كأنها ترقم المسافة.
       وتستمر الرحلة الرتيبة حتى عقبة حمرير، وللثانية يتغير كل شيء ويحدث ما يشبه الخديعة البصرية أو الانزياح الكوني.
      عند النزول، تشعر أن ميزان الحرارة قد اضطرب مفعول الزئبق فيه لجعله ينزل عشرين درجة كاملة في أقل من عشر دقائق. يتبدل لون الأفق من رمادي محترق إلى أخضر ندي مبلل، وينكشف للزائر سديم أبيض كثيف كأنه يمحو ملامح اليابسة بهدوء.
       يقف الزوار مذهولين في تلك اللحظة الفارقة، يعبرون من صدمة قيظ الصيف ورطوبته القاسية إلى الرذاذ المستمر اللطيف. هناك، تنطلق الألسن بكلمات وشعر ينساب بعفوية حتى لمن كانت مخيلته جرداء، ويهيم الجميع أمام الجمال الجغرافي المرسوم في كل النواحي.
      ما يحدث للوجدان هنا ليس مجرد تبدل عابر في الطقس، بل هو انقلاب مناخي كامل تصنعه الرياح الموسمية (المونسون) العابرة للمحيط الهندي، والتي يُطلق عليها محلياً اسم «موسم الخريف».
       والمفارقة اللطيفة أن تسمية «خريف صلالة» ترافق ذروة فصل الصيف، وتبدأ عهدتها الخضراء في عز الموسم الذي يحرق جيرانه، وهي ظاهرة مستمرة وتواصل هبوبها منذ آلاف السنين دون ارتباط بظواهر التغير المناخي الحديثة. 
      هذا التميز هو ما جعل من هذه البقعة الجنوبية النائية واحدة من أكثر الأراضي طلباً وهيبة في العالم القديم؛ 
      فالرطوبة والضباب اللذان يغلفان المرتفعات هما الحاضنة البيئية الوحيدة التي تمنح شجرة صغيرة، معوجّة الجذع وقاسية المظهر، قدرتها الفريدة على إفراز أثمن سلعة عرفتها التجارة القديمة: اللبان.

      حين حكمت الرائحة العالم

      واهم من يعتقد أن صلالة وجغرافيتها صنيعة العصر الحديث، أو أنها أخذت زخمها فقط مع تعزيز قطاع السياحة المعاصر في سلطنة عُمان؛ 
      فقبل أن أستقل طائرتي نحو الجنوب، كان لي شغف تقليب دفاتر التاريخ لتذهلني التفاصيل الكثيرة التي تشير جميعها إلى أن صلالة لم تكن يوماً بقعة معزولة، بل كانت الرئة العطرية للعالم القديم. 
      يرجّح كثير من المؤرخين أن هذه المنطقة، أو أجزاءً واسعة من جنوب الجزيرة العربية المطلة على بحر العرب، هي ما عناه الفراعنة بـ «أرض بونت» الغامضة،
       والتي كانت البعثات الملكية وأشهرها بعثة الملكة حتشبسوت في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، تبحر إليها لجلب الراتنج العطري الثمين.
      بحثت مطولاً عن الموقع الدقيق لـ «بونت» التي ما تزال مسألتها لم يحسمها الإجماع الأكاديمي بشكل قاطع حتى اليوم، لكن الدلائل تجمع على أن اللبان لم يكن عند الفراعنة مجرد مادة تجميلية للتعطير، 
      بل كان ركيزة مقدسة في طقوس التعبّد داخل معابد طيبة، وعنصراً أساسياً في طقوس التحنيط وحفظ أجساد الملوك وحمايتها من التحلل.
      هذا الصيت الطاغي للبان، الذي يعد اليوم من أبرز الرموز الثقافية في السلطنة، لم يقف عند حدود ضفاف النيل؛ بل امتد ليتجاوزها نحو حضارات الإغريق والرومان، الذين أفاض مؤرخوهم وجغرافيوهم القدامى في وصف «بلاد اللبان» وتأثيرها الاقتصادي،
       معتبرين أن الثروات الهائلة المتدفقة على موانئها جعلتها تستحق لقب «العربية السعيدة». 
      اشترى الرومان هذا الصمغ بوزنه ذهباً لحرقه في معابدهم وجنائز أباطرتهم العظيمة، ما خلق شبكة تجارية معقدة ربطت هذه السواحل بالعالم القديم عبر «طريق البخور» البري والبحري.

      قوارب ابن بطوطة وخيول الهند

      كانت خطتي منذ أن وطئت قدمي أرض صلالة ـ التي تسجل اليوم أكبر توافد للزوار في المنطقة ـ هي البحث عن شواهد هذا التاريخ التجاري العريق في المواقع الأثرية الموثقة.
       فعلى شاطئ خور روري، تقف بقايا مدينة سمهرم الأثرية، الشامخة كحصن منيع وميناء تجاري محوري ازدهر من القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن الخامس الميلادي. 
      لم تكن سمهرم مجرد مرفأ بحري عابر، بل كانت مستوطنة بشرية منظمة ومخزناً مركزياً لتجميع اللبان القادم من الأودية والجبال قبل شحنه عبر المحيط الهندي نحو الهند، أو صعوداً نحو موانئ البحر المتوسط. 
      وما تزال حتى الآن النقوش المحفورة بالخط المسند الجنوبي القديم على جدران الحصن شاهدة على صرامة القوانين التجارية التي كانت تحكم هذا الميناء، وعلى دور ظفار كحلقة وصل أساسية في التجارة العالمية القديمة.
      واصلت الرحلة مع مرافقي أبو سعيد، وهو رجل في بداية عقده الخامس، يتحدث بفخر واعتزاز عن ابنه الذي يستكمل دراسته الجامعية في بريطانيا وسيتخرج قريباً، وما يزال متردداً في رسم درب مستقبله المهني.
       قادني أبو سعيد في ربوع صلالة حتى وصلنا إلى موقع البليد الأثري، ليروي لنا فصلاً آخر من الازدهار في العصر الإسلامي والوسيط. يعود تاريخ الاستيطان البشري في هذا الموقع إلى العصر البرونزي، 
      وقد تحوّل بين القرنين الثامن والسادس عشر الميلاديين إلى حاضرة تجارية محصنة من الطراز الأول، تتميز بأسوارها الدفاعية وخنادقها المائية وبقايا جامعها الكبير ذي الأعمدة الحجرية المهيبة.
      وكان لا بد لتوثيق هذه المرحلة الثرية من تاريخ المنطقة العودة لأشهر رحالة عربي والتنقيب فيما كتبه؛ وهو الرحالة المغربي ابن بطوطة الذي زار هذه الحاضرة في القرن الرابع عشر، وأفرد لها مساحة وافية في مذكراته واصفاً بدقة أسواقها ونظام حكمها وعادات أهلها.
       تحدث العلامة ابن بطوطة ـ الذي ما يزال مرجعاً مهماً في توثيق الحواضر القديمة ـ عن نشاط المدينة البارز في تربية الخيول العربية الأصيلة وتصديرها بحراً إلى سلاطين الهند، في تجارة موازية لا تقل ثراءً وعمقاً عن تجارة اللبان الحوجري.
      وقد سعت السلطات العُمانية في العصر الحديث لتثمين هذا الموروث التاريخي؛ 
      حتى أدرجت منظمة اليونسكو عام 2000 مواقع البليد، وسمهرم، وموقع الشصر الأثري في عمق الداخل، ومحمية وادي دوكة الطبيعية، ضمن قائمة التراث العالمي تحت اسم موحد واثق يختزل الحكاية: «أرض اللبان».

      عبقرية الاحتواء من قصر الحصن

      عند التنقيب في تاريخ المنطقة ومحافظة ظفار التي تتخذ من صلالة عاصمة لها، تتطابق تفاصيل التاريخ التي سجلت تحولات عميقة في السياسة العُمانية المعاصرة، 
      وتصب جميعها نحو سلطان شاب، يمثل رمزاً أساسياً لبناء عُمان الحديثة ومؤسس نهضتها؛ السلطان الراحل قابوس بن سعيد.
      يحضر السلطان الراحل بكل ثقله في تفاصيل الحياة التي شهدتها المنطقة في عصر الاضطرابات الكبرى؛ خصوصاً تلك التي كانت تخفيها الجبال الخضراء الوادعة التي يلفها الرذاذ اليوم مستقراً هادئاً. 
      القصة تعود لمنتصف الستينيات وحتى منتصف السبعينيات من القرن العشرين، حيث كانت هذه المرتفعات مسرحاً لأطول وأعنف صراع إيديولوجي ومسلح شهدته شبه الجزيرة العربية في التاريخ المعاصر. 
      إن قصة «ثورة ظفار» (1965 – 1975) تمثل فصلاً سياسياً بالغ الحساسية، تحول فيه الجبل المطير إلى خندق متقدم من خنادق الحرب الباردة العالمية بالوكالة.
      يتذكر المسنون في المدينة تاريخ التاسع حزيران/يونيو عام 1965، حيث انطلقت الجبهة كتمرد قبلي ومحلي احتجاجاً على العزلة الشديدة والسياسات المحافظة المتشددة التي انتهجها السلطان سعيد بن تيمور،
       الذي حكم البلاد منذ عام 1932 بقبضة صارمة فرضت تعتيماً وعزلة شبه مطلقة على عُمان، وقيّدت التعليم والسفر والصحة إلى حدود شديدة القسوة. 
      ويشير المؤرخون إلى ارتماء الحركة لاحقاً وانجرافها بأمواج الصراع الدولي، لتبني عام 1968 أيديولوجيا ماركسية لينينية صريحة مدعومة من الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية عبر الحدود المفتوحة مع جنوب اليمن. 
      تحولت الكهوف والمغاور الوعرة إلى مخازن لأسلحة متطورة، ووجدت القبائل المحافظة التي تحمل مصاحفها في جيوبها وتسير خلف إبلها نفسها وسط معمعة فكرية مريرة؛ تواجه كوادر سياسية شابة تتحدث بلغة الصراع الطبقي.
      وفي قلب هذه العاصفة، كانت صلالة مسرحاً لقصة إنسانية صاغت وجدان عُمان؛ ففي قصر الحصن العتيق الرابض بقرب الشاطئ، 
      ولد السلطان قابوس عام 1940، وفيه أيضاً أمضى ـ بعد عودته من دراسته العسكرية في بريطانيا وجولته حول العالم ـ ست سنوات كاملة (1964 – 1970) تحت إقامة جبرية وعزلة شبه تامة فرضها والده. 
      قضاها في قراءة موسوعية شملت التاريخ والفلسفة والفكر الإسلامي، مراقباً الجبال وضبابها ومتأملاً في كيفية إنقاذ بلاده، حتى إن الأب والابن لم يتبادلا الحديث لشهور طويلة متتالية بسبب الخلاف حول مستقبل البلاد.
      وجاءت نقطة التحول التاريخية في 23 تموز/يوليو عام 1970 بتولي السلطان قابوس مقاليد الحكم، وانطلاق شرارة «النهضة المباركة».
       فتح السلطان الشاب أبواب قصر الحصن، وأطلق سراح المعتقلين، وأعلن العفو العام. 
      وتجلت عبقريته السياسية في أسلوب إنهاء الحرب؛ إذ أدرك أن السلاح وحده لن يقتلع الثورة، فاعتمد استراتيجية «الاحتواء والدمج». 
      فتح حواراً مباشراً مع القيادات الفكرية والعسكرية للتمرد، وأقنعهم بأن عهد العزلة قد انتهى وحان وقت البناء. حققت هذه السياسة نجاحاً نادراً؛ 
      إذ تحول المقاتلون والمنظرون اليساريون الأشداء إلى وزراء وسفراء وبناة للدولة الحديثة، ولعل النموذج الأبرز لهم هو يوسف بن علوي، الذي انخرط شباباً في المعارضة قبل أن يعود ويصبح لأربعة عقود مهندس السياسة الخارجية الرصينة للسلطنة. 
      هكذا تحول قصر الحصن القديم من سجن لولي عهد معزول، إلى منصة انطلاق غيرت وجه عُمان بالكامل.

      جبل وقبيلة ولغة لا تُكتب

      تجاوزت عُمان صفحة الخلاف، وتطلعت للحاضر؛ لنستكمل جولتنا في ربوع هذه الأرض التي تقف خلف واجهتها التاريخية تفاصيل أنثروبولوجية مثيرة. 
      أخبرني مرافقي أبو سعيد عن البناء الاجتماعي لصلالة وبقية ظفار، والذي يتوزع بين ثلاثة فضاءات متكاملة: السهل الساحلي، والجبل الممتد كقوس يحمي الساحل، والنجد الذي ينحدر ليتلاشى في رمال الربع الخالي.
       تلتقي هذه الجغرافيات في منظومة قبلية متماسكة استوطنت الأرض منذ قرون، مثل قبائل الكثيري، والقرا، والشنفري، والمعشني، والمهرة.
      القبيلة هنا ليست مجرد تصنيف ديموغرافي، بل هي سلطة عرفية ونظام قيمي يحكمه التكافل؛ وما زالت الأعراف تلعب دوراً محورياً في تسوية الخلافات وتنظيم مجالات الرعي والمياه عبر مجالس مفتوحة تُعقد تحت ظلال الأشجار العتيقة. 
      وتوقفت مطولاً أمام خصوصية فريدة تتميز بها المنطقة في الميدان اللغوي؛ إذ ما زالت تعيش في جبال ظفار ووديانها اللغة الشحرية (الجبالية)، إلى جانب اللغة المهرية. 
      هذه اللغات ليست لهجات مشتقة من العربية الفصحى، بل هي لغات سامية جنوبية قديمة مستقلة بذاتها، تمثل بقايا لغوية حية للحضارات التي سبقت انتشار الفصحى.
      الشحرية لغة شفاهية بامتياز؛ لا تحوي حروفاً مكتوبة بل تنتقل من صدر إلى صدر، ومن فم راعٍ في الجبل إلى مسامع أبنائه.
       تتميز بنظام صوتي معقد ومخارج حروف ونبرات لا وجود لها في العربية المعاصرة؛ ومجرد الاستماع إلى أهل الجبل وهم يتداولونها وسط الضباب يمنح المسافر إحساساً ملموساً بالزمن العمودي،
       كأنك تصغي إلى صدى قادم من العصور السحيقة حفظته الأرض في أصوات ناسها. ويتكامل هذا التمسك باللغة مع ارتباط وجداني عميق بالإبل، التي تُنسج لها الأهازيج الشعبية الخاصة ويخاطبها الرعاة بلغة إشارة يفهمها الحيوان بدقة، 
      وتُساق في مسيرات جماعية تُعرف بـ «الهبوت»؛ وهو فن شعبي يجمع بين رقصة العرضة والشعر المرتجل ليعبر عن التلاحم القبلي والاعتزاز بالأرض.

      دهشة الانزياح المناخي

      يروي سكان صلالة أن منطقتهم لم تتحول إلى وجهة سياحية إقليمية بارزة إلا بعد اعتماد خطة تخطيط استراتيجي في أواخر ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي؛
       إذ أدركت السلطات أن الاهتمام بهذه المنطقة سينقل موسم الخريف من مجرد حدث اجتماعي محلي ورعوي خاص بأهل ظفار الذين يخرجون للتخييم في سهول أتين وصحلنوت، إلى صناعة سياحية قائمة وراسخة. 
      تطور الأمر مع مطلع الألفية الحالية بوتيرة متسارعة بفضل ضخ استثمارات ضخمة لتحديث البنية التحتية، فشُيد مطار صلالة الدولي الجديد، وشُقت طرق برية معقدة تخترق الجبال لتربط الساحل بالداخل، وتحول «مهرجان خريف صلالة» إلى حدث اقتصادي وثقافي منظم.
      خلق هذا التحول ظاهرة سلوكية ونفسية تتكرر في صيف كل عام بانتظام لافت نطلق عليها تهافت الزوار.
       وزاد من شهرة المنطقة الثورة التكنولوجية وسطوة منصات التواصل الاجتماعي، حيث تسابق المشاهير لتدوين رحلاتهم وتوثيق زياراتهم، ما خلق ديناميكية كبرى لدى السائح العربي والخليجي، ثم العالمي لاحقاً.
       وتكرست تلك الصورة التي تبرز التمايز الهائل بين وطأة صيف خليجي لاهب تتجاوز فيه درجات الحرارة خمسًا وأربعين مئوية، مقابل انزياح جغرافي ومناخي يربك الحواس برحلة طيران قصيرة.
      أصبح الزوار يتسابقون لإبراز تفاصيل صلالة، ويتزاحمون في وادي دربات الشاسع حيث البحيرات الطبيعية المحاطة بهضاب خضراء داكنة وتتدفق الشلالات الموسمية بغزارة من المنحدرات الصخرية. 
      يتباهى الجميع بمشيتهم على العشب الرطب عند العيون الطبيعية المنتشرة على حواف الجبال ـ والتي تتجاوز مئتين وستين عين ماء تتدفق خلال الموسم ـ بدهشة واضحة يغذيها مشهد الضباب الذي يمحو خط الأفق ويمنح المكان مسحة شبه خيالية تكسر كل الصور النمطية عن الصحراء. 
      هذا التسويق الذكي جعل المدينة تستقبل نحو مليون زائر يتدفقون عليها خلال أقل من تسعين يومًا، وتحولت صلالة إلى محرك اقتصادي بالغ الأهمية؛
       إذ يضخ الزوار نحو ثلث مليار دولار سنويًا (ما يعادل 120 مليون ريال عُماني) في قطاعات الفندقة والنقل والأسواق التقليدية، مما يخلق انتعاشاً تجارياً ينعكس إيجاباً على مجتمع المدينة بأكمله.

      خريف المدينة وفلسفة السكون

      أثناء رحلتي، كان يجول في ذهني سؤال محوري لم أجد كثيرين تطرقوا إليه: ماذا يحدث لصلالة عندما يرحل ملايين الزوار وينتهي الموسم في أواخر أيلول/سبتمبر؟
      أجابني مرافقي أبو سعيد، بأنه ببساطة، تخلع المدينة رداءها الصاخب المستعار وتعود لارتداء لباسها الخاص، تلوذ إلى ذاتها وإلى إيقاعها الأصلي الهادئ، مستخدماً عبارة وجدتها فلسفية وعميقة تعبر بحق عن الصورة: «فلسفة السكون».
       تخيلت الحياة كيف ستكون ممتعة بعد هذه الأشهر الصاخبة حينما يعود الناس إلى روتينهم الهادئ؛ تُطوى خيام المهرجانات، وتخلو الطرقات الجبلية من ازدحام المركبات، 
      وتنقشع ستائر الضباب رويدًا رويدًا عن المرتفعات، وتشرق الشمس الدافئة لتكشف عن جبال عارية من السحاب لكنها تزهو بخضرة ناضجة تبدأ بالتحول تدريجيًا نحو اللون الذهبي مع دخول فصل الشتاء. 
      وأضاف أبو سعيد أن المرء يحتاج فعلاً لتلك الرحلة الممتدة بين صخب وضوضاء مثل حفلات الأعراس؛ تنتهي مع مغادرة آخر مدعو للمكان، حيث يبقى أهل البيت ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي، ويلوذون لأنفسهم ويلجؤون للأنس الحقيقي مع دائرتهم المقربة. 
      أدركت أنه فعلاً يحتاج الإنسان لهذه الخلوات النفسية الجميلة، يبحث عن ملاذه الخاص ويعيد ترتيب حياته وفق رؤيته بعيداً عن الضجيج.
      كما تعيد صلالة بعد انقضاء موسم خريفها طابعها الزراعي التاريخي؛ فإنسان المنطقة طور علاقة فريدة مع الأرض الخصبة التي تشتهر بإنتاج محاصيل استوائية نادرة الوجود في الجزيرة العربية،
       مثل جوز الهند (النارجيل) والموز والببايا وقصب السكر، مما يمنح المدينة هوية اقتصادية وزراعية مستدامة طوال العام. يهدأ سوق الحافة القديم، لكن حركته لا تتوقف؛ 
      فهو في الأصل سوق أهل المدينة قبل أن يكون مقصداً للسياح، يمر عليه المحليون يومياً لشراء احتياجاتهم من اللبان والبخور كجزء من طقوس روتينهم اليومي المعتاد. 
      ومع دخول أشهر الشتاء، تستقبل صلالة موجة ثانية أهدأ من السياح الأوروبيين الباحثين عن شمس دافئة وشواطئ بكر فيروزية، لتظل المدينة تنبض بالحياة بإيقاع هادئ بعيداً عن صخب المواسم الوعرة.

      أسرار المِشقَر والحوجري

      بدأت رحلتي برائحة اللبان، فكان لا بد أن أعود إليه قبيل مغادرتي لأقف أمام هذه المادة التي صنعت مجد المدينة عبر آلاف السنين؛ وهي منظومة أنثروبولوجية يتوارث أسرارها أهل ظفار بدقة متناهية.
       شجرة اللبان المعروفة محلياً بـ «الموجر» شجرة وعرة وصلبة، لا تحب التربة الخصبة ولا تطيق المياه الغزيرة؛ بل تعشق القسوة والجفاف، وتنمو في الشقوق الصخرية وحواف الأودية القاحلة الواقعة خلف حزام الأمطار الموسمية، 
      حيث تلتقي الرطوبة القادمة من البحر بجفاف الصحراء النجدية في توازن بيئي دقيق.
      تبدأ عملية استخراج اللبان في فصل الربيع بما يُسمى محلياً «التوقيع»، حيث يقوم الحصّاد بجرح لحاء ساق الشجرة بأداة معدنية تقليدية حادة تُسمى «المِشقَر»، 
      فيسيل من الجرح سائل لبني كثيف تفرزه الشجرة لحماية نفسها، ويُترك لأسابيع معلقاً على الجذع حتى يتصلب على هيئة «دموع» صمغية تُجمع يدوياً.
      وفي الأزقة الضيقة لـ«سوق الحافة» العتيق، يُصنف اللبان بدقة صارمة إلى درجات تتفاوت في الجودة والنقاء والسعر بناءً على جغرافية نمو الشجرة ولون البلورات:
      اللبان الحوجري: أنقى وأجود أنواع اللبان في العالم، وينبت في المرتفعات الجافة الشديدة القسوة مثل مناطق حاسك وسدح ونجد ظفار، بعيداً عن الرطوبة البحرية المباشرة. 
      وتتميز بلوراته بنظافتها وحجمها الكبير ولونها الأبيض الشفاف المائل للخضرة الزمردية؛ وهو نوع علاجي وطبي يُضغ أو يُنقع في الماء ليشرب، ويُعد الأعلى سعراً في الأسواق.
      اللبان النجدي: يأتي في المرتبة الثانية من حيث الجودة، وينبت في أراضي النجد شمال جبال ظفار، وتميل بلوراته إلى اللون الأصفر الشاحب اللامع وله رائحة عطرية نفاذة جداً تحظى بطلب هائل في صناعة البخور الفاخرة.
      اللبان الشزري: ينبت في المناطق الوسطى الفاصلة بين الجبل والسهل، وتأتي بلوراته بلون مرجاني أو بني فاتح ويُستخدم على نطاق واسع في الاستخدامات المنزلية المتوسطة.
      اللبان الشعبي (أو السهلي): الأقل جودة، وينبت في السهول الساحلية المعرّضة للرطوبة العالية؛ تتحول بلوراته بعد جفافها إلى اللون الرمادي الداكن مع شوائب أكثر، وهو الأكثر استخداماً للتبخير اليومي العادي في المنازل والمساجد لرخص ثمنه.
      اليوم، لم يعد اللبان مجرد تجارة تقليدية، بل دخل بقوة مختبرات العطور الحديثة؛ حيث تشتريه كبرى دور العطور العالمية في باريس ولندن وميلانو لاستخلاص زيوته العطرية الثمينة التي تُشكل «النوتة الأساسية» لتركيب عطور فاخرة تمنحها ثباتاً وعمقاً روحانياً غامضاً، ليصبح اللبان العُماني سفيراً غير مرئي يحمل في طياته سيرة مدينته الممتدة عبر العصور.
      فكان لا بد أن تنتهي مع اللبان ورائحته رحلتي لصلالة؛ المدينة التي تتقن فن التخفي وراء الضباب طوال العام، ثم تبوح بكل أسرارها وتاريخها وعطرها في تسعين يومًا فقط من الرذاذ والصمت المهيب. 
      غادرت صلالة برّاً، حاملاً معي كيس تذكار صغير من اللبان اقتنيته من بائع ورث الصنعة أباً عن جد؛ لكنه ترك في وجداني أثراً راسخاً حملته معي في رحلة العودة، وهو يقطع معي وعداً صادقاً بالعودة مجدداً.

      سليمان حاج إبراهيم

        مشاركة :
      • طباعة

      مقالات متنوعة

      • من هنا وهناك 13 يوليو, 2026

        من قراءة الشفاه إلى الذكاء الاصطناعي.. معركة الأسرار في كرة القدم

        من قراءة الشفاه إلى الذكاء الاصطناعي.. معركة الأسرار في كرة القدم
        من هنا وهناك 12 يوليو, 2026

        الإمارات الأولى عربياً في مؤشر الأداء البيئي العالمي

        الإمارات الأولى عربياً في مؤشر الأداء البيئي العالمي
        من هنا وهناك 10 يوليو, 2026

        سلطنة عُمان الرابعة عالمياً في جودة الحياة... ماذا عن بقية الدول العربية؟

        سلطنة عُمان الرابعة عالمياً في جودة الحياة... ماذا عن بقية الدول العربية؟
      • من هنا وهناك 07 يوليو, 2026

        التلسكوب إقليدس يرصد أقدم أشباه النجوم المعروفة في الكون

        التلسكوب إقليدس يرصد أقدم أشباه النجوم المعروفة في الكون
        من هنا وهناك 04 يوليو, 2026

        اكتشاف مدينة بيزنطية متكاملة في واحة الداخلة المصرية

        اكتشاف مدينة بيزنطية متكاملة في واحة الداخلة المصرية
        من هنا وهناك 02 يوليو, 2026

        كيف تبرد الكعبة أثناء غسلها في فصل الصيف؟

        كيف تبرد الكعبة أثناء غسلها في فصل الصيف؟

      أترك تعليق

      تبقى لديك ( ) حرف

      الإفتتاحية

      • من انتصر في هذه الحرب؟
        من انتصر في هذه الحرب؟
        09 ابريل, 2026

      الأكثر قراءة

      • الإمارات… ثلاثية القيادة والإدارة والريادة
        الإمارات… ثلاثية القيادة والإدارة والريادة
        12 مارس, 2026
      • دول الخليج العربي… تعظيم سلام
        دول الخليج العربي… تعظيم سلام
        07 مارس, 2026
      • المعارضة السورية تطوّق دمشق وتدخل مدينة حمص
        المعارضة السورية تطوّق دمشق وتدخل مدينة حمص
        07 ديسمبر, 2024
      • المعارضة السورية تسطر الإنتصارات على أبواب حماة
        المعارضة السورية تسطر الإنتصارات على أبواب حماة
        04 ديسمبر, 2024
      • المعارضة السورية تسيطر على رابع مطار عسكري وتتقدم بريف حماة
        المعارضة السورية تسيطر على رابع مطار عسكري وتتقدم بريف حماة
        03 ديسمبر, 2024

      تقارير عربية

      • معركة مطار صنعاء: نحو دولة تحتكر قرارها ومنافذها وسلاحها
        معركة مطار صنعاء: نحو دولة تحتكر قرارها ومنافذها وسلاحها
        14 يوليو, 2026
      • لماذا أصرت الطائرة الإيرانية على الهبوط في اليمن؟
        لماذا أصرت الطائرة الإيرانية على الهبوط في اليمن؟
        14 يوليو, 2026
      • تأثير الحرب على واقع التعليم ومستقبله في اليمن
        تأثير الحرب على واقع التعليم ومستقبله في اليمن
        13 يوليو, 2026
      • سلام الشجعان (الطريق إلى استعادة الدولة وإنقاذ اليمن)
        سلام الشجعان (الطريق إلى استعادة الدولة وإنقاذ اليمن)
        13 يوليو, 2026
      • كيف يمول المجتمع الدولي صناعة النخب الزائفة في اليمن؟
        كيف يمول المجتمع الدولي صناعة النخب الزائفة في اليمن؟
        13 يوليو, 2026

      تقارير دولية

      • من قانون صلاحيات الحرب الى مضيق هرمز… ترمب يدير التصعيد لا يحسمه
        من قانون صلاحيات الحرب الى مضيق هرمز… ترمب يدير التصعيد لا يحسمه
        14 يوليو, 2026
      • حرب شاملة أو تصعيد محسوب حتى الخريف؟
        حرب شاملة أو تصعيد محسوب حتى الخريف؟
        14 يوليو, 2026
      • العروبة الباقية
        العروبة الباقية
        14 يوليو, 2026
      • صراع الهيمنة على شريان الملاحة العالمي يضع المنطقة على حافة حرب إقليمية
        صراع الهيمنة على شريان الملاحة العالمي يضع المنطقة على حافة حرب إقليمية
        13 يوليو, 2026
      • أمن الخليج بين السلاح والسياسة
        أمن الخليج بين السلاح والسياسة
        08 يوليو, 2026

      Facebook

      فيديو

      حوارات

      • نائب وزير الخارجية اليمني: الحكومة اليمنية ستعمل من عدن
        09 فبراير, 2026
      • الشيخ عبدالعزيز العقاب: واقع السلام في المنطقة يحتاج إلى قراءة معمقة للواقع
        06 يناير, 2026
      • غروندبرغ: اليمن مهدد بالتحول لساحة حرب إقليمية والحوار طريق النجاة
        20 اغسطس, 2025
      • وزير الخارجية اليمني الأسبق: وقعت هجمات سبتمبر فالتقى صالح بوش لنفي وصمة الإرهاب
        26 يوليو, 2025
      • الزنداني: هجمات البحر الأحمر أضرّت بخريطة الطريق والخيار العسكري ممكن
        12 مارس, 2025
      © 2017 alrai3.com