طلاب اليمن محاربون على جبهات القتال
فيما يتجه أطفال العالم في كل صبيحة إلى مدارسهم، يكابد أقرانهم اليمنيين شظف العيش وظروف الحال الصعب في مخيمات النزوح والقرى المنسية ومدن الصفيح البائسة التي لجأوا إليها هرباً من بطش الصراع ونيران آلته المنفلتة.
ومن الصور القاتمة التي ألقت بها الحرب، ما ناله القطاع التربوي والتعليمي من واقع معقد قذف بأعداد مليونية إلى خارج أسوار المدارس في ظل استمرار تداعيات الأزمة الإنسانية القاسية التي تشهدها البلاد، وفقاً لما أعلنته المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة.
وأرجع وزير التربية والتعليم عادل العبادي أسباب موجات التسرب الطلابي المتزايدة في بلاده إلى جملة من العوامل المرتبطة باستمرار الحرب وغياب الاستقرار الأمني "وبخاصة في مناطق التماس القتالي أو القريبة منها".
وأضاف العبادي عوامل أخرى تتمثل في "الوضع الاقتصادي والحال المعيشية الصعبة"، إذ لم يعد "بمقدور كثير من الأسر توفير ما يسدون به رمق عيشهم كنتيجة للحال الصعب الذي سببه الانقلاب الحوثي على الدولة".
وقال إن "عدم اعتماد وظائف جديدة لقطاع التربية كما هي الحال بباقي القطاعات جراء إيقاف عملية التوظيف منذ عام 2012، تسبب في شح شديد في عدد المعلمين المؤهلين في ظل الطلب السكاني المتزايد".
جنود صغار
وفي انعكاس للمآل الذي ألقت به 10 أعوام من الحرب والصراع على مختلف مناحي الحياة في اليمن، يشير الوزير العبادي إلى عامل آخر دفع بترك مقاعد الدراسة نحو وجهة أخرى تتمثل في "التجنيد الإرادي والقسري للأطفال حال دون إتمامهم تعليمهم".
وأفاد بأن "عدم بناء مدارس جديدة وبخاصة في المحافظات والأرياف القريبة من سكن غالبية الفتيات، دفع بكثير من الأسر إلى عدم إرسال بناتها لتلقي التعليم، وهي عوامل تضاعف من الحمل على كاهل الوزارة والدولة لاستيعاب هذه الأعداد الضخمة من الطلاب المحرومين من حقهم في التعليم".
مبالغة المنظمات
وضمن جهود الدعم والإغاثة، قالت منظمة الهجرة الدولية إنها دشنت الخميس الماضي، مشروع إعادة تأهيل وتوسعة 12 مدرسة في محافظات عدن ولحج وتعز (جنوب)، بهدف تحسين فرص الوصول إلى التعليم في المجتمعات المتأثرة بالأزمات والنزوح، بدعم من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.
وأضافت أن المشروع من المتوقع أن يستفيد منه بصورة مباشرة أكثر من 18 ألف طالب ومعلم عبر توفير بيئة تعليمية أكثر أماناً واستيعاباً.
ونبهت إلى أن هذا الواقع الصعب أدى إلى وجود أكثر من 4.5 مليون طفل خارج المدارس في اليمن، بينهم نحو 760 ألف طفل في محافظات عدن ولحج وتعز وحدها، مؤكدة أن الضغوط لا تزال تتزايد على خدمات التعليم المثقلة بالأعباء في تلك المحافظات.
ومع ذلك تسعى الحكومة الشرعية وفقاً للوزير العبادي لانتهاج معالجات منها تنفيذ "خطة قطاعية للتعليم، بنينا على ضوئها الحاجات، وفي هذه الخطة توجد أرقام كاملة أقرب كثيراً إلى الحقيقة والواقع".
وأضاف أن "المنظمات تبالغ في أرقام عدد الطلاب المتسربين أحياناً ومن مصلحتها هذا الأمر بغرض الحصول على الدعم".
عن العدد الفعلي للطلاب خارج أسوار مدارسهم، يكشف عن أن "الإحصاءات المتوافرة لدينا ومن مصادرنا الرسمية، تقول إن عدد الطلبة المتسربين من المدارس مليونان و7100 ألف طالب وطالبة تقريباً".
وفقاً للأمم المتحدة، تسببت الحرب التي أشعلتها الميليشيات الحوثية عام 2014 في تضرر أكثر من 2500 مدرسة وتدميرها، وهو ما أجبر مليوني طفل على ترك الدراسة.
ناهيك بانقطاع رواتب المعلمين في مناطق سيطرة الجماعة المدعومة من النظام الإيراني منذ أعوام، وبحث غالبيتهم عن أعمال أخرى للبقاء على قيد الحياة.
بين التفخيخ والتعافي
كشف الأهالي في ريف محافظة حجة (شمال) عن الوضع التعليمي الغائب والمنهار، كامتداد للوضع الإنساني المعقد.
وللحد من انفراط أعوام الضياع في عمر الزمن الصعب، يضطر الأهالي عبر متطوعين ومتطوعات لإلحاق أبنائهم بالتعليم في فصول بنوها من القش والصفيح، مع غياب دور السلطة التابعة للميليشيات الحوثية التي لم تزودهم بأبسط الحاجات ومنها الكتب المدرسية التي اشتراها فاعلو الخير أو عبر تبرعات ذاتية من مدارس أخرى، وهو نموذج يتكرر حاله في كثير من المحافظات اليمنية.
وعلى رغم تعدد مسارات الاحتياج الإنساني في اليمن فإن جهود الدعم الدولي والأممي تركز على هذا القطاع انطلاقاً من حقيقة تستدرك الأعوام التي انفرطت من أصابع الصغار بلا تعليم، مع تزايد المخاوف من صعود أجيال مهيأة للاستقطاب الفكري في الصراع وما يمثله ذلك من عبء يضاف لسلسلة طويلة من المشكلات التي تعانيها البلاد.
وفقاً لذلك، قال رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في اليمن عبدالستار عيسويف إن جهودهم تنصب في قطاع التعليم، لما يمثله كأحد أهم مسارات التعافي للأطفال المتأثرين بالصراع.
وسبق وحذر بيان صادر عن "اليونيسيف" من أن "الأطفال غير الملتحقين بالمدارس يواجهون أخطاراً متزايدة للاستغلال، بما في ذلك إجبارهم على المشاركة في القتال والعمالة والزواج المبكر".
ويؤكد عيسويف أنه من خلال إعادة تأهيل وتوسعة المدارس بالشراكة مع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، "فإننا لا نعمل فقط على ترميم الفصول الدراسية، بل على تهيئة الظروف التي تمكن الأطفال من مواصلة التعليم بكرامة واستمرارية".
وأوضح البيان أن مراسم تسليم مواقع التنفيذ انطلقت من مدرسة قتبان بمديرية المعلا في عدن، بحضور ممثلين عن مركز الملك سلمان والمنظمة الدولية للهجرة ووزارة التربية والتعليم والسلطات المحلية ومكاتب التربية والتعليم في عدن وتعز.
بين التجنيد والموت
وفي وقت سابق، أعلنت الحكومة المعترف بها عبر بيان لها أن "أكثر من 6 ملايين طفل تضرروا بصورة مباشرة جراء الحرب التي شنتها الميليشيات الحوثية منذ انقلابها".
وعلاوة على حال التجهيل التي يواجهها هؤلاء الصغار، كشفت الشرعية عن تحويل الميليشيات المدارس إلى ثكنات عسكرية، "وواصلت عمليات تجنيد الأطفال والزج بهم في المعارك وتعريض حياتهم لخطر الإصابة بالألغام".
ولعل أبرز الأسباب التي تقف أمام استيعاب هذه الأعداد في مقاعد الدراسة، استمرار تدفق النزوح الداخلي عندما اضطر نحو 3.3 مليون شخص للنزوح عن ديارهم، بينما يحتاج 24.1 مليون يمني أو أكثر من 80 في المئة من السكان إلى المساعدة، وفقاً للمنظمة الأممية.
دعم سعودي
وفي إطار جهود مجابهة هذا الواقع ووضع حد للتسرب الطلابي الكبير، تبذل بعض الجهات الداعمة في اليمن جهوداً استثنائية بالتعاون مع الحكومة الشرعية ممثلة بوزارة التربية والتعليم، عبر توفير بدائل آمنة، يقع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومركز الملك سلمان في طليعتها، تدفع نحو إعادة آلاف التلاميذ إلى التعليم، إضافة إلى جهود أممية ودولية والاتحاد الأوروبي.
وبحسب بيانات رسمية، نفذ البرنامج السعودي خمس مبادرات تعليمية شملت التعليم العام والعالي والتدريب الفني والمهني، موزعة على 11 محافظة يمنية هي تعز وعدن وسقطرى والمهرة ومأرب، وحضرموت وحجة ولحج وأبين وشبوة والضالع، عبر تنفيذ نحو 60 مشروعاً ومبادرة تنموية مستدامة تهدف إلى توسيع فرص الوصول إلى التعليم وتحسين جودة بيئته ورفع كفاءة بنيته التحتية وتمكين الطلاب وتأهيل الكوادر.
توفيق الشنواح
صحافي يمني