*شيخوخة المدارس:* *حين يصبح التعليم في اليمن ساحة استنزاف لا بناء*
ليست أخطر الأزمات تلك التي تُحدث ضجيجاً في لحظتها
بل تلك التي تنخر بهدوء في أساسات المجتمع حتى يأتي يوم لا يعود فيه الإصلاح ممكناً إلا بكلفة باهظة.
وإذا كانت الدول تُقاس بقدرتها على حماية التعليم قبل أي شيء آخر
فإن أخطر ما يواجه اليمن اليوم تخص فقط تدهور الاقتصاد أو تعقيدات السياسة
بل “الانهيار الصامت” للكادر التربوي داخل المدارس والمؤسسات التعليمية.
هذا الملف لم يعد قضية مطلبية تخص المعلمين البناء
بل أصبح تهديداً حقيقياً لمستقبل المجتمع كله؛
لأن انهيار التعليم يعني ببساطة إنتاج أجيال ضعيفة علمياً
مرتبكة فكرياً، فاقدة للقدرة على البناء والمنافسة
وهو ما سينعكس حتماً على الأمن والاقتصاد والإدارة وكل مفاصل الدولة.
الحقيقة التي يتجنب الجميع الاعتراف بها
منذ توقف التوظيف الحكومي تقريباً عام 2012م
توقف الزمن في سجلات الخدمة المدنية
ودخل القطاع التربوي مرحلة استنزاف مستمر دون أي عملية إحلال حقيقية أو ضخ دماء جديدة قادرة على سد العجز المتزايد.
وخلال أكثر من عقد كامل جرى التعامل مع التعليم كقطاع يجب أن “يستمر بأي شكل”
حتى وإن كان ذلك على حساب جودة العملية التعليمية وكرامة المعلم والطالب معاً.
النتيجة اليوم شاخصة في الميدان بصورة مقلقة:
*نسبة كبيرة من المعلمين بلغت “أحد الأجلين” أو اقتربت منه.
*أعداد واسعة تعاني من أمراض مزمنة وإرهاق جسدي ونفسي نتيجة العمر وضغوط الحياة وانقطاع المرتبات.
*كثير من الكفاءات التربوية غادرت الميدان بحثاً عن لقمة العيش.
*مدارس عديدة أصبحت تعتمد بصورة شبه كاملة على متطوعين
بل إن عدد المتطوعين في بعضها يفوق عدد المعلمين الأساسيين
في ظل غياب أي استقرار وظيفي أو ضمانات حقوقية.
لكن الأخطر من كل ذلك أن الأزمة لم تعد مجرد نقص في الكادر
بل أصبحت خللاً في التوازن داخل المؤسسة التعليمية نفسها؛
حيث يتم استنزاف ما تبقى من المعلمين كبار السن
في الوقت الذي يُترك فيه المتطوعون الشباب بلا استقرار أو احتواء أو مسار وظيفي واضح.
وهنا تتجسد المفارقة المؤلمة:
جيلٌ استُنزف حتى أوشك على فقدان القدرة
وجيلٌ آخر يملك القدرة والطاقة لكنه بلا فرصة حقيقية أو حماية مؤسسية.
إدارة الأزمة بمنطق الإنكار
بدلاً من الاعتراف بحجم الكارثة والبحث عن حلول متدرجة وواقعية
يجري تحميل ما تبقى من الكادر التربوي فوق طاقته.
أن يُطلب من معلم شارف على التقاعد أو يعاني ظروفاً صحية ومعيشية قاسية أن يتحمل عشرين حصة أسبوعياً كحد أدنى
دون راتب مكتمل أو بيئة عمل مستقرة
فهذا ليس إصلاحاً بل إدارة للأزمة بطريقة تؤجل الانهيار فقط.
والأخطر من ذلك أن هذا التوجه يتحول أحياناً إلى وسيلة غير مباشرة للتنصل من أي التزام تجاه المعلمين المتطوعين الذين حافظوا على استمرار التعليم طوال سنوات الانقطاع
ووقفوا جنباً إلى جنب مع المعلمين الرسميين.
هؤلاء لم يكونوا عبئاً على العملية التعليمية
بل كانوا أحد أهم أسباب بقاء المدارس مفتوحة حتى اليوم
ومن غير المنطقي أن تتم معالجتهم بمنطق التهميش أو الاستغناء بعد سنوات طويلة من العطاء.
التعليم ليس منصة تعبئة فكرية
لا يمكن مطالبة المجتمع بكل الواجبات مع تعطيل أبسط الحقوق الأساسية.
فالمعلم ليس آلة تعمل بالشعارات
بل إنسان له أسرة واحتياجات وكرامة ومسؤوليات حياتية متراكمة.
والمؤلم اليوم أن جزءاً من الجهد والوقت داخل المؤسسات التعليمية لم يعد موجهاً بصورة كافية نحو تطوير جودة التعليم
بقدر ما يذهب نحو الأنشطة ذات الطابع التعبوي أو الاصطفافات الفكرية
في وقت يفترض أن تكون فيه المدرسة مساحة لبناء الوعي والمعرفة وتنمية مهارات التفكير والإبداع.
فالمساحة الزمنية للحصة الدراسية هي حق أصيل للطالب
وأي انشغال عن جوهر العملية التعليمية ينعكس مباشرة على مستوى التحصيل العلمي وبناء الشخصية والمعرفة.
الدولة القوية لا تُبنى بإنسان يخشى التفكير بل بإنسان واعٍ يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على النقد والتحليل والمنافسة والإنتاج.
حلول واقعية يمكن البدء بها
إنقاذ التعليم لا يحتاج معجزات بقدر ما يحتاج شجاعة في الاعتراف بالمشكلة
وإرادة حقيقية لتقليل الخسائر والبدء بخطوات عملية قابلة للتنفيذ.
أولاً: إعادة الهيكلة الإدارية والاستثمار الأمثل للكادر
ليس من العدل مساواة معلم شاب بمعلم تجاوز الستين أو يعاني ظروفاً صحية صعبة.
ولذلك يفترض:
تخفيف أو إعفاء كبار السن والمرضى من النصاب التدريسي الثقيل.
الاستفادة من خبراتهم في المهام الإشرافية والتوجيهية والرقابية.
إسناد الجهد الميداني والنصاب الأعلى للكوادر الشابة القادرة على التحمل والعطاء.
ثانياً: التقنين الإداري لحقوق المتطوعين
يجب ألا يبقى المتطوعون خارج الإطار القانوني والإداري بعد كل هذه السنوات من الخدمة.
والمعالجة الواقعية تبدأ عبر:
حصرهم رسمياً.
اعتماد بياناتهم الوظيفية.
إصدار عقود “حفظ حق” توثق سنوات خدمتهم.
منحهم الأولوية في أي عملية تعاقد أو توظيف مستقبلي.
توفير حوافز مالية مستقرة بحسب الإمكانات المتاحة.
ثالثاً: مأسسة المبادرات المجتمعية ورقابتها
في ظل عجز الموازنة المركزية
يمكن تحويل الدعم المجتمعي إلى عمل مؤسسي منظم عبر إنشاء صناديق تكافل تعليمية تُدار بشفافية ورقابة واضحة بالتعاون مع مجالس الآباء والجهات الرقابية.
ويكون الهدف منها:
دعم المعلمين المتطوعين.
تغطية العجز الطارئ في المدارس.
توفير الحد الأدنى من الاستقرار للعملية التعليمية.
رابعاً: إعادة ترتيب أولويات الإنفاق
المرحلة الحالية تفرض توجيه الموارد المتاحة نحو الاحتياجات الأساسية للميدان التربوي.
ولذلك تصبح الحاجة ملحة إلى:
تفعيل الرقابة على الإيرادات الذاتية.
الحد من أي مصروفات غير ضرورية.
إعادة ترتيب أولويات الإنفاق بما يخدم استقرار العملية التعليمية ودعم الكادر العامل في الميدان.
خامساً: اعتماد الكفاءة لا الولاء
أي عملية إصلاح تفشل عندما تتحول الوظيفة التربوية إلى مكافأة ولاء بدلاً من كونها استحقاق كفاءة.
فالتعليم تحديداً لا يحتمل المجاملة أو المحاصصة أو التوظيف القائم على الانتماء؛ لأن أثر الخطأ فيه يمتد لعقود ويصيب المجتمع بأكمله.
وفي الأخير و خلاصة القول
الاستمرار بسياسة الإنكار واستنزاف ما تبقى من الكادر التربوي لن يؤدي إلا إلى لحظة انهيار سيكون الجميع خاسراً فيها.
وأول خطوة لإنقاذ المستقبل تبدأ بإنصاف المعلم
وإعادة الاعتبار للمؤسسة التعليمية كمنارة للعلم وبناء الإنسان
والنظر إلى التعليم باعتباره قضية أمن وطني وبقاء دولة
لا ملفاً ثانوياً يمكن تأجيله أو ترحيله عاماً بعد آخر.
فالأمم لا تسقط حين تضعف مواردها فقط
بل حين تعجز عن حماية معلميها ومدارسها من التآكل البطيء.
وحين يشيخ التعليم في أي وطن…
يبدأ المستقبل كله في الشيخوخة معه.
✍️ أ . حميد القهالي
كاتب وباحث يمني