اليمن : تأملات في الخيارات .. التحديات والمخاطر
في خضم النقاشات المتصاعدة حول مستقبل اليمن، تبرز بين حين وآخر دعوات ترى في التقسيم خيارًا ممكنًا لإنهاء الصراع المزمن، ويذهب البعض إلى تقديمه باعتباره مدخلًا للاستقرار وإعادة بناء الدولة. وبين من يراه حلًا واقعيًا، ومن يعتبره تهديدًا لوحدة البلاد، تبدو الحاجة ملحّة إلى قراءة أكثر هدوءًا وعمقًا تتجاوز الشعارات والانفعالات السياسية الآنية.
فالقضية لا تتعلق فقط بإعادة رسم حدود جغرافية بين شمال وجنوب، بل بتداعيات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية قد تمتد لسنوات طويلة، وربما تتجاوز اليمن إلى محيطه الإقليمي في منطقة تعيش أصلًا حالة من الاضطراب والصراع على النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوة.
اليمن اليوم لا يواجه مجرد انقسام سياسي بين شمال وجنوب، بل يعيش حالة أكثر تعقيدًا من التشظي داخل الجغرافيا الواحدة، حيث تتداخل الولاءات المناطقية والقبلية والمذهبية والعسكرية، وتتنازع قوى متعددة النفوذ والقرار. وفي ظل هذا الواقع، فإن أي محاولة لتقسيم البلاد لن تسير بالضرورة وفق التصورات النظرية التي يروّج لها البعض، بل ستخضع لمعادلات القوة على الأرض، وهو ما قد يفتح الباب أمام انقسامات جديدة داخل الكيانات الناشئة نفسها.
فالجنوب الذي يُقدَّم أحيانًا باعتباره كتلة سياسية متجانسة يحمل في داخله تباينات سياسية ومجتمعية واضحة، كما أن الشمال ليس فضاءً موحدًا يمكن اختزاله في طرف واحد. ومن هنا، فإن التقسيم قد لا يكون نهاية للأزمة، بل بداية لمرحلة جديدة من النزاعات حول الحدود والثروات والموارد ومراكز النفوذ.
أما الوعود المرتبطة بالاستقرار الاقتصادي والأمني، فتبدو بدورها أقرب إلى الرهانات غير المضمونة. فالدول أو الكيانات التي تنشأ في ظروف صراع وانقسام غالبًا ما تكون أكثر هشاشة وأكثر عرضة للأزمات الداخلية والتدخلات الخارجية.
والأكثر خطورة أن تداعيات هذا المسار قد لا تتوقف عند حدود اليمن، بل قد تمتد إلى المنطقة بأكملها. فاليمن بحكم موقعه الاستراتيجي المطل على باب المندب والبحر الأحمر يمثل نقطة حساسة في حسابات الأمن الإقليمي والدولي. وأي تفكك داخلي قد يحول هذا الموقع الحيوي إلى ساحة تنافس مفتوحة بين القوى الإقليمية والدولية، خصوصًا في ظل الصراعات المتصاعدة التي شهد العالم بعض ملامحها خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، سواء عبر الحروب بالوكالة أو التنافس على الممرات البحرية والطاقة ومناطق النفوذ.
كما أن ترسيخ فكرة التقسيم كحل سياسي قد يخلق سابقة خطيرة في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة بنيوية، وقد يشجع أطرافًا أخرى في الإقليم على تبني المسارات ذاتها، بما يفتح المجال أمام خرائط جديدة من الصراعات يصعب احتواؤها.
وفي خضم كل ذلك، ستواصل الأطراف المختلفة البحث عن خصوم تُلقي عليهم مسؤولية الفشل والانهيار، بينما تتراجع فرص الاعتراف بالأسباب الحقيقية للأزمة، وفي مقدمتها غياب المشروع الوطني الجامع، وضعف مؤسسات الدولة، واستمرار السياسات التي عمقت الإنقسامات وأضعفت فرص التوافق الوطني. .
إن أزمة اليمن في جوهرها ليست أزمة حدود، بل أزمة دولة وعدالة وشراكة سياسية وتنمية متوازنة. والحل المستدام لا يكمن في إعادة رسم الخرائط، بل في بناء صيغة وطنية عادلة تستوعب الجميع، وتحمي اليمن من أن يتحول إلى ساحة مفتوحة لصراعات الداخل والخارج.
ففي لحظة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب، قد يكون من الحكمة النظر إلى التقسيم ليس باعتباره مخرجًا نهائيًا، بل باعتباره خيارًا يحمل من المخاطر ما يستدعي قراءة متأنية ومسؤولة قبل الدفع نحوه.
فالتقسيم لايصنع السلام بل قد يفتح الطريق أمام فوضي تتجاوز اليمن إلي الإقليم بأكمله ، في لحظة دوليه شديده الإضطراب لاتحتمل مزيداّ من الدوله..
* أ. أحمد لقمان
دبلوماسي وسياسي يمني