عن عقدة التمثيل في الجيش اليمني وضرورة الاحتراف
الحديث عن الجيش في الجمهورية اليمنية ليس شأناً إدارياً يمكن اختزاله في قرار تعيين أو حركة تنقلات، ولا مسألة تقنية تُحلّ بإعادة توزيع المناصب أو تبديل الأسماء، إنه موضوع يمسّ جوهر الدولة ذاتها،
لأن الجيش في أي جمهورية ليس مجرد قوة مسلحة، بل الصورة الأكثر تركيزاً لفكرة السيادة واحتكار العنف المشروع وحماية المجال العام.
وعليه، تبدو حساسية النقاش اليمني هنا مفهومة، فالناس لا يناقشون مؤسسة عادية، بل يناقشون الجهة التي يفترض أن تحرس مستقبلهم،
وكلما طال غياب الدولة في أي منطقة في العالم، تحوّل الجيش من ضرورة وطنية إلى سؤال وجودي يتصل بمن يحكم، وكيف يحكم، ولمصلحة من تُستخدم القوة.
وتزداد المسألة تعقيداً بالنسبة إلى اليمن الذي لم يعرف عبر تاريخه الجمهوري استقراراً مؤسسياً يسمح بتراكم تقاليد عسكرية وطنية مستقرة،
فقد تشكلت القوة في مراحل عديدة على أسس متداخلة: قرابة، ومنطقة، وولاء شخصي، وأحياناً انتماء أيديولوجي أو ديني، ولهذا حين يُطرح اليوم موضوع الجيش، لا يستدعي الناس النصوص القانونية فحسب، بل يستدعون ذاكرة طويلة من الاختلالات والتجاوزات.
إن المواطن لا ينظر إلى القرار العسكري بعيون الحاضر فقط، بل بعيون تجارب سابقة مريرة جعلته يربط القوة المسلحة بمراكز نفوذ بعينها، وحين تفقد الذاكرة ثقتها بالمؤسسة، يصبح أي إصلاح جديد مطالباً أولاً بمعالجة آثار الماضي.
ولذلك يبدو القول إن الجيوش “يجب” أن تُبنى على تنوع مناطقي واجتماعي وفق قاعدة عالمية ثابتة قولاً يحتاج إلى مراجعة دقيقة، فالعالم لا يعمل بنسخة واحدة،
والدول لا تُدار بقالب واحد، وبعض الجيوش تقوم على التجنيد العام، وبعضها على الاحتراف الطوعي، وبعضها يوازن بين المركزية والتمثيل المحلي، وبعضها يعتمد تقاليد تاريخية مختلفة بحسب طبيعة المجتمع والتهديدات المحيطة به.
بعبارة أخرى أدق: ليست هناك وصفة جاهزة تصلح لكل مكان، لأن الجيش ابن الدولة التي ينتمي إليها، لا نموذج مستورداً من فراغ. وما يصلح لدولة مستقرة ذات مؤسسات راسخة قد لا يصلح لدولة خارجة من حرب طويلة وانقسام عميق.
إن معايير بناء الجيوش تتحدد عادة بخمسة عناصر رئيسية: طبيعة الدولة، ونظامها السياسي، وحجم السكان، ونوعية الأخطار الأمنية، وتاريخ المؤسسة نفسها،
فالدولة المهددة بحروب حدودية مستمرة تبني جيشاً مختلفاً عن دولة تواجه تهديدات داخلية أو إرهاباً متناثراً، والدولة الفيدرالية قد تحتاج صيغاً مختلفة عن الدولة المركزية، والدولة ذات الكثافة السكانية الكبيرة تملك خيارات أوسع من دولة محدودة الموارد البشرية.
لذلك فإن نقل الشعارات العامة إلى الواقع اليمني من دون فحص هذه المحددات يشبه في تصوري محاولة رسم خريطة بغير معرفة الأرض، والسياسة حين تتجاهل الجغرافيا والتاريخ تنتهي غالباً إلى "إدارة الأوهام".
ومع ذلك، يبقى صحيحاً أن كثيراً من الدول تسعى إلى تمثيل وطني واسع داخل جيوشها، لأنه يعزز شعور المواطنين بأن الجيش جيشهم جميعاً.
لاحظوا معي من فضلكم وتأملوا: حين يرى الناس أبناء مناطق متعددة وشرائح اجتماعية مختلفة داخل المؤسسة، تنخفض مخاوف الاحتكار ويقوى الانتماء للدولة،
لكن هذا الهدف النبيل يتحول إلى نقيضه إذا جرى فهمه كحصص جامدة أو كسجل أرقام. فالفرق كبير بين تمثيل يفتح الأبواب المتكافئة للجميع، وبين محاصصة تجعل الجيش شركة مساهمة بين القوى المتنافسة، الأول يبني الثقة، والثاني يوزع الشكوك بالتساوي.
وقد عرفت اليمن نماذج صارخة لاحتكار القوة من قبل جماعات أو دوائر محددة، ففي مراحل سابقة ارتبطت مراكز النفوذ العسكري ببيئات بعينها كما فعل علي عبدالله صالح،
كما ارتبطت لاحقاً بمشاريع أكثر خطورة حين تحولت القوة إلى أداة سلالية أو عقائدية كما فعل ويفعل عبدالملك الحوثي الذي انقلب على الدولة بقوة السلاح في الـ 21 من سبتمبر (أيلول) 2014، وفي الحالتين كانت النتيجة واحدة: انكماش الدولة واتساع الجماعة.
في الواقع حين يصبح الجيش ذراعاً لفئة، لا يعود مؤسسة وطنية بل جهاز حماية خاص، ويُعاد تعريف المواطنة على أساس القرب من مركز القوة،
لا ينهار هنا التوازن السياسي فقط، بل تتشوه الفكرة الجمهورية نفسها، لأن الجمهورية تقوم على مساواة المواطنين أمام القانون لا أمام النسب أو المنطقة أو السلالة.
وليس من الحكمة في تقديري تجاهل أن قوى أخرى في المشهد اليمني وقعت في الفخ ذاته حين تعاملت مع تشكيلاتها المسلحة بمعايير مناطقية ضيقة كما فعل المجلس الانتقالي الجنوبي، فالمشكلة ليست في اسم الفاعل بقدر ما هي في منطق الفعل.
لاحظوا معي وتمعنوا: عندما يُبنى الجيش، أو ما يشبهه، على قاعدة جغرافية منغلقة، تتحول المؤسسة إلى مرآة للخوف المحلي لا إلى أداة سيادة عامة، ويصبح الانتماء إلى الأرض الصغيرة أقوى من الانتماء إلى الوطن الكبير.
هذا المسار غير السوي قد يمنح مكاسب تكتيكية موقتة، لكنه يزرع في البنية الوطنية شقوقاً عميقة، لأن من يشعر بالإقصاء اليوم لن يرى في المؤسسة غداً مرجعية جامعة.
ومن ثم يجب الانتقال من سؤال "من أي منطقة جاء القائد؟" إلى سؤال أكثر جدية: "هل يمتلك هذا القائد شروط القيادة؟"،
فأساس الجيوش المحترفة لا يقوم على الخرائط الاجتماعية بل على الكفاءة والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط، وعلى الولاء للدستور والقوانين النافذة، وعلى الجدارة البدنية والعقلية، وعلى التدريب المتواصل، وعلى سلامة التسلسل القيادي.
هذه المعايير الواضحة هي الفارق بين مؤسسة قادرة على القتال المنظم، وأخرى تنهار عند أول اختبار، فالجيش الذي يُدار بالمجاملات ولا يتبع المعايير الواضحة المشار إليها أعلاه، لا يُهزم في الميدان فقط، بل يُهزم قبل ذلك داخل غرف التعيين.
وإذا تحوّل التنوع إلى محاصصة رقمية، أو توزيع سياسي للمواقع، أو تقسيم مناطقي للمناصب، أو اعتماد ديني شكلي في اختيار القيادات، فإن المؤسسة العسكرية تفقد معناها تدريجاً،
لأن الضابط حين يُرقّى لتمثيل جماعته لا لتمثيل كفاءته، سيدين بالولاء لمن جاء به أكثر من ولائه للدستور والقوانين النافذة.
وعندما تتعدد مراكز الاستحقاق غير المهني، تتعدد معها مراكز الطاعة، عندئذ يصبح الزي العسكري غطاءً لصراعات اجتماعية كامنة، ويصبح السلاح أداة تفاوض داخلي لا وسيلة دفاع وطني،
والمؤسسة العسكرية التي تُستنزف في إدارة توازناتها الداخلية تعجز عن حماية حدودها الخارجية.
لكن الخطر المقابل لا يقل سوءاً، فإذا احتكرت جماعة واحدة الجيش بحجة الكفاءة أو التاريخ أو الضرورة الأمنية، ينشأ خطر التسييس والانقسام أيضاً، فـ"الاحتكار" يولد رد فعل، و"الإقصاء" ينتج مشاريع مضادة، و"الهيمنة" تستدعي مقاومات موازية.
ولهذا فإن الحكمة السياسية في تقديري لا تكمن في استبدال محاصصة متعددة باحتكار أحادي، بل في بناء مؤسسة يتساوى أمامها الجميع وتُفتح أبوابها وفق شروط معلنة وعادلة، إن العدالة هنا ليست شعاراً أخلاقياً فقط، بل شرط استقرار عملي.
ومن هذا المنطلق، فإن الرسالة التي ينبغي أن تُوجَّه إلى رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي واضحة بحثاً عن مصلحة وطنية عليا: لا تجعلوا الجيش ساحة تسويات قصيرة العمر.
إن اليمن لا يحتاج إلى إعادة تدوير أزمات القوة، بل إلى تأسيس عقد جديد بين المواطن والدولة عبر مؤسسة عسكرية محترفة تحفظ أمنه وأمن جيرانه،
والمطلوب أن يعكس الجيش وحدة المجتمع ضمن إطار المواطنة المتساوية، لكن عبر آليات قبول وترقية تقوم على معايير مهنية واضحة قابلة للقياس والمراجعة،
والإعلان عن المعايير، وتطبيقها بشفافية، وفتح مسارات التظلم، كلها أدوات في تصوري تبني الثقة أكثر من مئات الخطب السياسية.
كذلك لا تقتصر إعادة البناء على الأفراد، بل تشمل العقيدة العسكرية نفسها. يجب أن ينتقل تعريف العدو من الخصم السياسي الداخلي إلى كل من يهدد الدولة والدستور والسلم الأهلي،
فالجيش الذي يتربى على منطق الخصومة الداخلية يبقى مستعداً للانقسام عند كل أزمة، أما الجيش الذي يتربى على حماية النظام العام وسيادة البلاد فيكتسب معنى وطنياً أعلى.
ولذلك فإن المناهج، والتدريب، والانضباط القانوني، والرقابة المدنية الرشيدة، ليست تفاصيل ثانوية، بل هي كما أرى قلب الإصلاح الحقيقي، لا يكفي تغيير القادة إذا بقيت الأفكار القديمة في الثكنات.
في نهاية المطاف كخلاصة، الجيش الناجح يُبنى على الاحتراف أولاً، ويأتي التمثيل المتوازن العادل داخل هذا الإطار لا بديلاً عنه، فالتنوع حين يخدم الكفاءة يصبح قوة، وحين يناقضها يصبح عبئاً،
واليمن اليوم أمام فرصة نادرة ليغادر منطق الميليشيات، ومنطق الدائرة الضيقة، ومنطق الغلبة الموقتة، نحو منطق الدولة الحديثة.
إن الأمم لا تُقاس بما ترفعه من شعارات عن الوطنية، بل بما تؤسسه من مؤسسات تجعل الوطنية أمراً ممكناً، والجيش، إذا صلح، قد يكون بداية هذا التحول، وإذا فسد، فلن يبقى في الدولة ما يستحق الاسم.
سامي الكاف
صحافي وكاتب يمني