حين يأتي العيد بلا راتب: أيُّ معنى لعيد العمال؟
في كل عام
يحلّ عيد العمال العالمي محمّلاً برسائل التقدير لليد التي تبني
والعقل الذي يدير والجهد الذي يصنع الحياة.
لكن هذا العيد في واقعنا يصل مثقلاً بأسئلةٍ موجعة لا تتوقف عند حدود الشعور بل تمسّ جوهر الكرامة الإنسانية.
كيف يُطلب من الموظف أن يحتفل وهو لم يتسلّم راتبه؟!
كيف يفرح وهو عاجز عن توفير احتياجات أسرته الأساسية؟!
وماذا يقول لأطفاله حين يسألونه: لماذا لم تذهب إلى عملك اليوم؟! ولماذا لم تأتِ بالمصاريف التي ننتظرها منذ بداية الشهر؟!
هنا لا نتحدث عن أرقام في كشوفات بل عن بيوتٍ أرهقها الانتظار
وعن آباء يقفون يومياً أمام امتحان العجز
وعن أسرٍ تتآكل قدرتها على الصبر.
الراتب ليس منّة ولا باباً للكرم الحكومي بل هو حقّ أصيل مقابل عملٍ أُنجز وجهدٍ بُذل.
وحين يُحجب هذا الحق فإن المسألة لا تبقى مالية بل تتحول إلى خللٍ في ميزان العدالة
واهتزازٍ في الثقة بين الموظف والدولة
وتآكلٍ في أبسط مقومات الاستقرار المؤسسي.
المفارقة المؤلمة أن تُعلَن إجازة رسمية احتفاءً بعيد العمال
بينما العامل نفسه يعيش إجازةً قسرية من القدرة على تلبية احتياجات يومه.
أيّ معنى يبقى لهذا العيد حين يصبح الاحتفاء شكلياً
منفصلاً عن واقع الناس؟
وأيّ رسالة تُوجَّه للموظف حين يُطلب منه الانضباط والالتزام
بينما حقّه الأساسي مؤجّل أو غائب؟
السؤال هنا ليس سياسياً بقدر ما هو أخلاقي وإداري:
أين حسّ المسؤولية؟
أين الضمير الوظيفي الذي يُفترض أن يضع كرامة الإنسان في صدارة الأولويات؟
على مدى سنوات تحمّل الموظفون ما يفوق طاقتهم
وصبروا على انقطاع الرواتب أو تذبذبها
ومع ذلك استمر كثير منهم في أداء واجباته
حفاظاً على ما تبقّى من مؤسسات الدولة.
هذا الصبر لا يجب أن يُقابَل بالتجاهل
بل بإنصافٍ يعيد الاعتبار لقيمة العمل ومعنى الوظيفة العامة.
إن أي حديث عن تطوير الأداء أو رفع الكفاءة يبقى ناقصاً ما لم تُصن حقوق العامل أولاً.
فانتظام صرف المرتبات ليس تفصيلاً إدارياً
بل هو الركيزة الأساسية للاستقرار الاجتماعي والمؤسسي
وأي اختلال فيه ينعكس مباشرة على كل مفاصل الحياة.
في عيد العمال لا يحتاج الموظف إلى كلمات تهنئة بقدر ما يحتاج إلى موقفٍ عادل.
لا يحتاج إلى شعارات بل إلى راتبٍ يصل في وقته.
ورغم قسوة الواقع تبقى الأيادي العاملة قادرة على النهوض
لأن الأمل لم ينقطع ولأن هذا الوطن مهما اشتدت أزماته لا يُبنى إلا بسواعد أبنائه.
كل عام والعامل اليمني بخير…
وكل عام وحقّه أولى بأن يُصان.
✍️ أ . حميد القهالي
كاتب وباحث يمني