علاقة جماعة الحوثي بالمجتمع اليمني
ليست المشكلة في اليمن، وما آلت إليه الأمور، مجرد صراع سياسي عابر؛ بل هي أزمة عميقة في طبيعة العلاقة بين سلطة أمر واقع في صنعاء وقوى ومكونات وجمهور يُفترض أن يكون شريكًا لا تابعًا.
هكذا تقف في قلب هذه الأزمة جماعة الحوثي، ليس بوصفها طرفًا سياسيًا تقليديًا، بل كحالة خاصة ومغلقة تعيد إنتاج نفسها خارج منطق الشراكة الوطنية.
الحديث عن وجود "مساحات مشتركة" بين الجماعة وبقية مكونات المجتمع لم يعد توصيفًا محايدًا، بل هو أقرب إلى مجاملة سياسية يؤكدها الواقع.
فالمشكلة، كما يراها قطاع واسع من اليمنيين -يكاد يصل إلى حد الإجماع- ليست في غياب تلك المساحات فحسب، بل في وجود إرادة صلبة تمنع قيام أية مساحة أصلًا.
ذلك أن الرؤية تقوم على أحادية الفكر، وتُدار السلطة بمنطق الاصطفاء؛ وهنا يصبح الاختلاف تهديدًا وليس فرصة، ويتحول عندها التنوع -وهو شرط لأي مشروع وطني- إلى كلفة ستملي الاحتواء أو إلاقصاء.
هذه النظرة، كما يراها منتقدو الجماعة، لا تترك مجالًا واسعًا للتأويل؛ لدى الجماعة، فكل من يخرج عن السردية المعتمدة يُدفع إلى خانة الشك، وربما التخوين.
وقد أوجدت الجماعة بيئة لا تتسامح مع التعدد بقدر ما تسعى إلى تطويعه. وهنا لا تعود مجرد أزمة خطاب، بل أزمة ثقة تتسع يومًا بعد آخر، وتُغلق كل نافذة يمكن أن تُفضي إلى تقارب حقيقي.
المشكلة هنا لا تنحصر في خلاف سياسي يمكن تسويته عبر طاولة حوار، بل تتصل بنمط تفكير من يرى في الشراكة تنازلًا، وفي الاعتراف بالآخر ضعفًا.
وهذا ما يجعل أي تفكير في مشروع وطني جامع أقرب إلى الطموح النظري منه إلى الواقع، ما لم يحدث تحول جوهري في بنية التفكير والسلوك لدى الجماعة.
السؤال لم يعد: هل يمكن التقارب؟ بل: هل لدى الجماعة استعداد فعلي لمغادرة منطق العزلة والامتياز، والانتقال إلى منطق الدولة التي تتسع للجميع؟
وحتى تتوفر إجابة صريحة عن هذا السؤال، ستبقى فجوة الثقة الحقيقة الأكثر هيمنة في المشهد اليمني، وستظل كل دعوات التقارب تدور في فراغ لن يُنتج إلا مزيدًا من الانقسام.
هل يمكن للجماعة أن تعيد النظر في خطابها، فتتحرر من فكرة "الحق الإلهي" وادعاء الاصطفاء، وتتجه نحو إقرار مبدأ المساواة بين جميع أبناء الشعب، حيث لا تفاضل إلا بالتقوى والعمل الصالح؟
ومتى ستدرك أن ترسيخ هذه المفاهيم الإقصائية، التي يُغذّيها البعض ويُلبسها ثوب الشرعية، لم يؤدِّ إلا إلى تعميق الظلم وتوسيع دائرة المعاناة؟
أليس من الأجدر التوقف أمام ما خلّفته هذه الرؤية من آثار، ومراجعة المسار بما يفتح الباب أمام عدالةٍ أوسع، وشراكةٍ حقيقية، تُنهي مظاهر الاستعلاء وتعيد الاعتبار لكرامة الإنسان؟ أسئلة تبحث عن إجابات۔
✍️ أ .فيصل بن أمين أبو راس
برلماني وسفير سابق