المرأة اليمنية بين دور السلام وحروب التوظيف السياسي
لم تكن المرأة اليمنية بعيدة عن الحرب التي عاشها اليمن خلال السنوات الماضية، فقد كانت من أكثر الفئات تحملاً لتبعات الصراع، وفي الوقت نفسه كانت حاضرة كناشطة وباحثة وسياسية وإعلامية ومدافعة عن حقوق الإنسان.
وبرزت أسماء يمنية عديدة في المحافل الدولية، ومراكز الأبحاث ووسائل الاعلام، ووصلت أصوات باحثات وناشطات يمنيات، الى مجلس الأمن، والكونجرس الأمريكي، ومؤسسات دولية مؤثرة .
وكان يفترض ان يمثل هذا الحضور تطوراً مهماً في مشاركة المرأة اليمنية، وأن يساهم في تقديم صورة أكثر تنوعاً عن اليمن ومعاناته، وأن يمنح المرأة مساحة للمساهمة في صناعة السلام ومستقبل الدولة، بعيداً عن احتكار القوى السياسية والعسكرية للمشهد.
لكن الحرب اليمنية أستطاعت أن تدخل حتى الى المساحات التي كان يفترض أن تبقى مستقلة عنها.
فأصبح نشاط الباحثات والناشطات والحقوقيات جزءاً من معركة الروايات بين الأطراف، ومن خلال متابعة الخطاب السياسي والإعلامي.
يمكن ملاحظة كيف يتم الأحتفاء بالباحثة أو الناشطة عندما يتوافق حديثها مع موقف طرف معين، ثم مهاجمتها أو التشكيك فيها عندما تقدم موقفاً لا ينسجم مع روايته.
ويمكن ملاحظة ذلك في طريقة التعامل مع شخصيات معروفة، مثل رضية المتوكل، وندوى الدوسري، وغيرهما.
فكل طرف يحاول الاستفادة من المواقف التي تتفق معه ويقدمها بأعتبارها دليلاً على صحة روايته، بينما يتجاهل المواقف التي لا تخدم خطابه.
وهكذا قد يتحول صوت الباحثة أو الناشطة، الى مادة في الصراع السياسي، حتى من دون أن تكون هي نفسها جزءاً من ذلك التوظيف..
لقد نقل اليمنيون حروبهم من ميادين القتال، الى كل مساحة تقريباً..
فأصبحت هناك حرب في الإعلام، وحرب في المنظمات، وحرب في مراكز الابحاث، وحرب في المؤتمرات، وحرب في النشاط الحقوقي وحتى التقارير والشهادات والاحاطات الدولية، أصبحت تقرأ أحياناً من زاوية من المستفيد منها، ومن المتضرر منها، بدلاً من مناقشة مدى دقتها وعدالتها وموضوعيتها..
وأصبح السؤال لدى البعض، ليس ماذا قالت الباحثة أو الناشطة، ولماذا قالت ذلك، وما الأدلة التي تستند اليها، بل لمن يخدم هذا الكلام، وهذه من أخطر نتائج الحرب .
لانها تدمر فكرة الاستقلال وتضع الجميع داخل معسكرات سياسية، حتى عندما يرفضون هم أن يكونوا جزءاً منها، وتحول الأختلاف في الرأي من حالة طبيعية، إلى اتهام بالانحياز أو التخوين.
ومع ذلك سيكون من الخطأ والظلم، أعتبار كل باحثة أو ناشطة يمنية، مجرد أداة سياسية .
فالمرأة اليمنية، اثبتت خلال سنوات الحرب قدرتها على العمل في ظروف شديدة الصعوبة، وساهمت نساء كثيرات في العمل الإنساني والدفاع عن الضحايا والوساطة المحلية وحل النزاعات والمطالبة باطلاق المعتقلين ونقل معاناة المدنيين الى العالم.
كما أن وجود باحثات وناشطات يمنيات، في المؤسسات والمحافل الدولية يمثل فرصة مهمة لليمن، اذا حافظن على استقلال مواقفهن وعلى مسافة نقدية وأحدة من جميع أطراف الصراع.
فالاستقلال لا يعني عدم أمتلاك موقف سياسي أو فكري، وانما يعني القدرة على تطبيق المعايير نفسها على الجميع، ورفض الإنتهاكات مهما كان مرتكبها، وعدم تحويل حقوق الإنسان والسلام الى أدوات تستخدم بصورة انتقائية وفقاً للحسابات السياسية.
اليمن اليوم يحتاج إلى اصوات نسائية ورجالية تخرج من منطق الحرب، لا الى اصوات جديدة تعيد انتاجه بلغة البحث، او الحقوق او النشاط السياسي..
ويحتاج إلى باحثات وناشطات وسياسيات قادرات على الحديث مع الجميع، وانتقاد الجميع، والدفاع عن حقوق الجميع، دون أن يتحول نشاطهن الى ملكية سياسية لهذا الطرف أو ذاك.
كما يحتاج اليمنيون أنفسهم إلى التوقف عن تصنيف كل باحث وناشط ومثقف بحسب المعسكر الذي يمكن أن يستفيد من كلامه.
لأن أخطر ما فعلته الحرب باليمن، أنها لم تقسم الأرض والمؤسسات فقط، بل قسمت المجتمع والعقول والأصوات وحتى مفهوم الحقيقة.
واذا كان اليمنيون يريدون سلاماً حقيقياً، فان بدايته لن تكون فقط عندما تصمت البنادق، بل عندما يصبح من الممكن للمرأة والرجل التعبير عن موقف مستقل، دون أن يتم وضعهما مباشرة في خندق من خنادق الصراع..
وعندما تصبح الكلمة وسيلة للبحث عن الحقيقة والسلام، لا سلاحاً جديداً في حرب اليمنيين..
* سفير بوزارة الخارجية