أسقطت أحداث اليوم أقنعة كثيرة
قد نختلف في تقييم أداء الدولة، وننتقد قصورها، ونطالبها بالمساءلة، وهذا حق لا خلاف عليه. لكن ما لا يمكن قبوله هو أن يتحول انتهاك السيادة اليمنية إلى مناسبة للشماتة أو مادة لتصفية الحسابات السياسية.
ما حدث اليوم لم يكن مجرد رحلة جوية، بل رسالة سيادية وإقليمية بامتياز. فالإصرار على تجاوز التحذيرات الرسمية، والمضي في الهبوط رغم الاعتراضات المعلنة، لم يكن مجرد تحدٍ لإجراءات ميدانية، بل اختبارًا لحدود السيادة اليمنية، ورسالة تتجاوز الداخل اليمني إلى الإقليم بأسره.
وفي المقابل، فإن الردود العسكرية وما يرافقها من استهداف للبنية التحتية لا تقف آثارها عند حدود الرسائل السياسية، بل تمتد لتصيب اليمنيين أولًا،
وتهدد ما تبقى من المسارات الإنسانية الهشة، وفي مقدمتها حركة المدنيين، وملف الأسرى، وكل الجهود الرامية إلى خفض التصعيد.
المؤسف أن جزءًا من النقاش انشغل بالسخرية ممن لم يمنع الطائرة من الهبوط، بينما غاب السؤال الأهم: ماذا يعني أن تتحول اليمن مرة أخرى إلى ساحة لتبادل الرسائل الإقليمية؟
وماذا يعني أن تصبح سيادتها، ومطاراتها، وحياة مواطنيها، أدوات في صراع يتجاوز حدودها؟
في العلاقات الدولية، أخطر ما يمكن أن يحدث للدول الهشة ليس فقط انتهاك سيادتها، بل أن تتحول سيادتها نفسها إلى ورقة تفاوض ورسائل بين القوى الإقليمية.
واليمن لا يحتمل أن يُختزل مرة أخرى إلى هذا الدور، بعد سنوات طويلة دفع فيها اليمنيون كلفة صراعات لم تكن يومًا لمصلحتهم.
نعم، ضعف الدولة يستوجب النقد والإصلاح والمساءلة، لكن الاحتفاء بانتهاك سيادتها لا يبني دولة، بل يكرّس فكرة أن اليمن أرض مستباحة لكل من يملك القدرة على فرض إرادته.
والوطنية لا تُقاس بقدرتك على إحراج خصمك السياسي، بل بموقفك عندما تُنتهك سيادة وطنك، مهما كان خلافك مع من يديره.
لقد كشفت أحداث اليوم أن أخطر ما نواجهه ليس فقط هشاشة مؤسسات الدولة، بل هشاشة الخطاب الوطني أيضًا.
وبين من يبرر الانتهاك، ومن يشمت بالعجز، تبقى اليمن هي الخاسر الأكبر
أ. منى لقمان
ناشطة في مجال المرأة والسلام والأمن