تعقيدات الواقع السوداني تهدد مبادرة البرهان للحوار
الرأي الثالث - وكالات
أعلنت مجموعة من القوى المدنية والسياسية السودانية، أمس الأحد، رفضها مبادرة الحوار التي طرحها رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مؤخراً،
معتبرة أنها ليست عملية سلام حقيقية، بل خطوة تُكرّس تقسيم السودان بحكم الأمر الواقع، وتُدار من داخل مناطق سيطرة طرف واحد من طرفي الحرب وتحت حمايته، وطرحت، من جانبها، تصوراً بديلاً لعملية سلام مختلفة.
يأتي ذلك في وقت يحذر فيه مراقبون من تعثر الجهود الرامية إلى وضع حد للأزمات التي تضرب البلاد، وسط الحرب المشتعلة بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أكثر من ثلاث سنوات، والتي قسمت القوى السياسية إلى معسكرات متناحرة،
بينما لم يظهر حتى الآن كيف سيبدأ الحوار وماهية أطرافه، بعد تباين وجهات النظر واحتدام الخلاف حوله.
وقالت القوى السياسية المناهضة للحرب، في بيان صحافي أمس، عقب اجتماعات استمرت يومي السبت والأحد الماضيين في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، إنها خلصت إلى وثيقة موقف مشترك بعنوان "عملية السلام التي نريد"، ترفض بشكل قاطع دعوة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى ما يُسمّى "الحوار السوداني-السوداني"
معتبرة أنها تنعقد بمعزل عن وقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية المتفاقمة، وتسعى في جوهرها إلى إضفاء شرعية سياسية على الحكم العسكري وتمكين عناصر النظام السابق.
وتضم القوى المناهضة للحرب قوى إعلان المبادئ السوداني، وأبرزها تحالف "صمود" الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، وحزب المؤتمر الشعبي الذي أسسه الزعيم الإسلامي الراحل حسن الترابي، وحزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل، ومنظمات من المجتمع المدني، وشبكات نسوية وشبابية، وشخصيات عامة من المفكرين والأكاديميين والأدباء والمثقفين.
وطرحت هذه القوى وثيقة تحمل تصوراً بديلاً لمبادرة البرهان، تقوم على تصميم عملية سلام متكاملة ترتكز على ثلاثة مسارات متزامنة ومتكاملة: إنساني، ووقف إطلاق النار، وسياسي، تُدار بمنطق التفاوض الندّي تحت مظلة مستقلة ومتفق عليها، وتُخاطب جذور الحروب السودانية المتكررة.
وحسب البيان، تشمل المشاركة فيها ثلاثة توجهات متوازنة: القوى المدنية والسياسية غير المصطفة مع أي طرف في الحرب، والقوى المصطفة مع الجيش، والقوى المصطفة مع الدعم السريع،
على أن يقتصر دور الطرفين المتحاربين على المسارين الإنساني والأمني دون السياسي، مع استبعاد كامل لحزب المؤتمر الوطني الحاكم سابقاً (نظام الرئيس المعزول عمر البشير)، والحركة الإسلامية التابعة له وواجهاتهما من عملية السلام.
واعتبرت القوى السياسية خريطة طريق اللجنة الرباعية التي تضم السعودية والولايات المتحدة ومصر والإمارات، الصادرة في 12 سبتمبر/أيلول 2025، المرجعية الأفضل لعملية السلام،
وأكدت استعدادها التام للتعاطي البنّاء مع الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة إيغاد والاتحاد الأوروبي، ومشاركة الملاحظات والتصورات التي طرحتها القوى المناهضة للحرب، وفق مبدأ الملكية الكاملة للسودانيين للقرار.
وكان رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان قد طرح، في 14 أغسطس/آب الحالي، مبادرة لحوار ينطلق من الداخل ويستوعب جميع القوى السياسية والمجتمعية،
وأكد استعداد الدولة لتوفير الدعم اللوجستي والضمانات القانونية والسياسية والأمنية اللازمة للمشاركين القادمين من الخارج، دون أن تكون الدولة هي الجهة المنظمة للحوار أو المحددة لأجندته أو مخرجاته، احتراماً لاستقلاليته وحرصاً على صدقيته الوطنية
معلناً وقف الإجراءات الجنائية التي سبق أن اتخذتها الدولة في مواجهة بعض السياسيين المعارضين، دون العفو عنهم، لتمكينهم من المشاركة في الحوار داخل البلاد، وذلك استجابة لما قال إنها طلبات من القوى السياسية والشعبية الداعية إلى الحوار.
وعند نشر تسريبات عن دعوة البرهان حينها، رد التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة "صمود" الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، في بيان يوم 10 أغسطس/آب الحالي،
قائلاً إنه لم يتلقَّ أي اتصال رسمي أو غير رسمي بشأن هذا الحوار، ولم يشارك في أي ترتيبات متصلة بذلك.
وفي هذا الشأن، قال نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي بتحالف "صمود" خالد عمر يوسف، في منشور على فيسبوك أمس الأحد، إن موقف القوى المناهضة للحرب برفض دعوة الحوار جاء ليُغلق الباب نهائياً أمام ما وصفها بـ"محاولات البرهان لذر الرماد في العيون عبر حوار لا يبتغي منه سوى إسباغ المشروعية على سلطته في المناطق التي يسيطر عليها
عوضاً عن الانخراط في عملية سلام جادة توقف الحرب وتعالج الكارثة الإنسانية في كافة أرجاء السودان".
وأضاف أن البرهان أخطأ العنوان: "فنحن لن نكون جزءاً من حوارات توزيع العطايا والمواقع، ولم ولن نكون جزءاً من جماعاتٍ تبتغي الكسب الشخصي على أشلاء بلادٍ دمرتها الحرب"
مشيراً إلى أنهم يريدون معالجة قضايا الناس في الطعام والدواء والمأوى والعيش الكريم، لا التكسب من ثروات البلاد التي تُنهب تحت غطاء الحرب.
إلى ذلك، قال عضو لجنة مبادرة الحوار المحامي نبيل أديب، إنه يعتقد أن ما ذكرته ما يُعرف بـ"القوى المناهضة للحرب" من أنها رفضت دعوة الحوار الموجهة من البرهان هو حديث غير دقيق.
وأضاف: "لم يوجّه رئيس مجلس السيادة دعوة إلى الحوار، بل استجاب لطلب من بعض المواطنين بمنح الحوار الذي يدعون إليه هم، وليس هو، دعماً لوجستياً وحماية قانونية تتمثل في إسقاط البلاغات التي فُتحت بناءً على طلب من أحد أجهزة الدولة في مواجهة أي من المشاركين في الحوار،
ووقف البلاغات التي تم فتحها بناءً على شكاوى من جهات خاصة في مواجهة المشاركين في الحوار، وجعل دخول المشاركين في الحوار من المقيمين خارجاً حصيناً من أي إجراء جنائي بسبب نشاطهم السوداني".
إلى ذلك، رأت القيادية في حركة العدل والمساواة الداعمة للجيش آمنة صالح، أن مبدأ الحوار مدخلاً للسلام لا يرفضه عاقل أو قوى شعبية حقيقية تعمل وتدعو إلى السلام.
وأضافت أن السلام لا يأتي من فراغ، ولا بد أن يأتي عن طريق الحوار، مشيرة إلى أن كل الملفات والقضايا والموضوعات المختلف حولها بين جميع الأطراف وتحتاج إلى حوار ونقاش، محلها الطبيعي هو طاولة الحوار
لافتة إلى أن على القوى السياسية الرافضة اغتنام الفرصة التي وفرتها هذه الدعوة، طالما هي تطلب وترغب في السلام ووقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية.
وأشارت صالح إلى أنه جرت خلال الفترة الماضية حوارات سياسية كثيرة في لندن وسويسرا وغيرها، لكنها جميعاً لم تحقق للسودان والسودانيين ولا لقضيته شيئاً، ما عدا بعض التقدم في الملف الإنساني،
وحتى في هذا الإطار لا يوجد مردود ملموس على أوضاع النازحين واللاجئين.
ودعت آمنة القوى الرافضة الحوارَ إلى العودة إلى الداخل والعمل وسط الشعب دون تأثيرات خارجية، والعمل جنباً إلى جنب مع الآخرين من أجل الحوار والاتفاق على القضايا الخلافية،
مشيرة إلى أنه حينما تكون الجبهة الداخلية موحدة سياسياً، لن يكون لاستمرار الحرب منطق، لكن طالما هذه القوى في الخارج، فلن تنفك من دائرة التأثير السياسي الخارجي، ولن تستطيع أن تعبر عن الشعب السوداني وعن قضاياه ومواقفه الحقيقية.
بدوره، يرى المحلل السياسي ماجد علي، أن الانقسامات والخلافات بين القوى السياسية فيما بينها من جهة، وبين القوى السياسية والحركات المسلحة من جهة أخرى، خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت الثورة ضد نظام الرئيس المعزول عمر البشير في 2019، كانت واحدة من العوامل التي غذّت اندلاع الحرب في 2023،
وقد استمرت هذه الخلافات حتى اليوم، لتصبح واحدة من أكبر عقبات تحقيق السلام والاستقرار في البلاد.
وذكر علي أن دعوات الحوار، التي يطلقها من وقت إلى آخر مجلس السيادة السوداني، تأتي في إطار الالتزامات الثابتة وإتاحة التوصل إلى اتفاق بين المختلفين حول القضايا الرئيسية والأساسية، وأيضاً في إطار ما تتضمنه الوثيقة الدستورية التي تحكم البلاد الآن، وبرنامج الحكومة الانتقالية الحالية المعلن في هذا الصدد،
معتبراً أنه يصعب، وفق كل هذه المعطيات، التفاؤل بأن يجرى حوار سوداني يضم كل القوى السياسية ذات الصلة، وأن يتم التوصل إلى اتفاق شامل ينهي أزمات البلد.
أيمن إبراهيم