اليمن على اعتاب مواجهة شاملة: اتساع رقعة المعارك يهدد بانفجار الوضع
الرأي الثالث - متابعات
تسلك الأزمة اليمنية مساراً تصاعدياً خطيراً على الجبهتين البرية والبحرية مع تواتر العمليات الميدانية في جغرافيا محافظتي مأرب والجوف شمال شرقي البلاد، وسط أنباء عن استهداف مواقع في الضالع والبيضاء (جنوب ووسط)
بالتوازي مع توتر متزايد في المياه البحرية بين جماعة الحوثي والمملكة العربية السعودية، لا سيما بعد توسعها لتشمل المواجهة منشآت للطرفين في اليابسة.
وفي هذا، تؤكد مصادر استمرار التحشيد العسكري إلى جميع الجبهات في خطوط التماس بين الطرفين، مع استمرار وصول تعزيزات عسكرية للجانبين في محافظتي مأرب والجوف، مع تصاعد تحشيد في مناطق الحدود مع المملكة.
وعلى الصعيد الميداني، أعلنت الجماعة، أمس الأحد، إسقاط طائرة استطلاع مسلحة تركية الصنع من طراز «بيرقدار أكنجي» تابعة للسعودية، «في أثناء قيامها بمهام عدائية في أجواء محافظة الجوف»، مؤكدة تصدّيها لأي محاولة لاختراق السيادة.
وجاء هذا التطور غداة يوم ساخن أعلن فيه التلفزيون الرسمي للحكومة المعترف بها دولياً تنفيذ الطيران الحربي، دون توضح الجهة التابع لها، غارات استهدفت منصات صواريخ ومخازن أسلحة للحوثيين في مديريات الجوبة والصفراء ومجزر بمحافظتي مأرب والجوف،
بالتوازي مع تقارير عن استهداف مواقع للجماعة في مديرية دمت بمحافظة الضالع ومواقع أخرى في محافظة البيضاء.
وفي السياق ذاته، أفادت صحيفة «عدن الغد» اليومية بأن مقاتلات التحالف شنت موجة غارات مكثفة طالت أهدافاً ثابتة ومتحركة للحوثيين في عدة مناطق في محافظات مأرب والجوف والبيضاء، مما أسفر عن تصاعد ألسنة اللهب والدخان من المواقع المستهدفة.
جاء هذا التصعيد عقب إعلان المتحدث العسكري للجماعة، العميد يحيى سريع، تنفيذ عمليتين عسكريتين نوعيتين استهدفتا منشآت تابعة لشركة «أرامكو» النفطية في جازان وينبع، رداً على ما وصفه بالقصف السعودي لمدينة الحديدة وجزيرة كمران.
وكان المتحدث باسم التحالف، اللواء تركي المالكي، صرح، في بيان، بأن قوات التحالف نفذت عملية عسكرية متناسبة ضد أهداف مشروعة للحوثيين في الحُديدة رداً على استهداف السفن التجارية والملاحة في البحر الأحمر.
وأكّدت مصادر رسمية سعودية تعرّض سفينة سعودية لإصابات طفيفة خلال إبحارها في البحر الأحمر، غداة إعلانها عن تعرض سفينة أخرى لهجوم؛
وذلك عقب بيان للحوثيين، الأربعاء، تحدّث عن استهداف سفينتين سعوديتين في البحر الأحمر. وهو ما يأتي في إطار إعلان الحوثيين حظراً بحرياً على الملاحة السعودية ورداً على ما تعدّه الجماعة «حصاراً مستمراً منذ 12 عاماً».
وفي نبرة تُشير إلى تفاقم الأزمة، أعلن عضو المكتب السياسي للجماعة، حزام الأسد، انتهاء زمن «الرد بالضربات المتناسبة وقواعد الاشتباك المتوازنة»، مشدداً على أن التصعيد سيُقابل بتصعيد أكبر طالما استمر الحصار.
وامتداداً لهذا التراشق العسكري والميداني، اشتعلت جبهة المواقف والمواجهة سياسياً ودولياً؛ إذ اعتبر رئيس مجلس الوزراء في الحكومة الشرعية، شائع الزنداني، أن استمرار الحوثيين في استهداف السفن التجارية يهدد الأمن البحري وسلاسل الإمداد وينفذ أجندات إيرانية لزعزعة استقرار المنطقة.
كما أكّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، مضي الحكومة في العمل مع التحالف والشركاء الدوليين لردع التهديدات وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة.
وقالت الوكالة الحكومية إن اجتماع مجلس الوزراء ، ناقش، أمس الأحد، «خطة عمل اللجنة الحكومية لإدارة الأزمات»، والتي «تهدف إلى رفع جاهزية الحكومة لمواجهة أي تصعيد أو أزمة محتملة».
وعلى الصعيد الدولي، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن قلقه البالغ إزاء استئناف الحوثيين الهجمات على السفن، داعياً إلى خفض التصعيد والالتزام بقرار مجلس الأمن رقم 2722،
وحث الحوثيين على الامتناع عن شن أي هجمات أخرى أو اتخاذ أي خطوات تصعيدية.
وقال في بيان: «إن استمرار الأعمال العدائية في اليمن سيقوّض آفاق السلام، وسيُسبب عواقب اقتصادية وإنسانية وبيئية وخيمة في المنطقة وخارجها».
بينما أكّد السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، أن بلاده سعت ولا تزال تسعى لجهود التهدئة والسلام، معتبراً تصرفات الحوثيين إصراراً على مسار العنف، مشددًا على أن السلام لن يتحقق إلا «بإرادة صادقة تضع مصلحة اليمن وشعبه فوق كل اعتبار».
في المقابل، لم تتأخر ردود قيادات الجماعة في رسم خطوط مواجهتها الخاصة؛ حيث أصر رئيس المجلس السياسي الأعلى للحوثيين، مهدي المشاط، على أن إجراءات جماعتهم «مشروعة ومحقة» لإنهاء الحصار والعدوان، معتبراً ما وصفه بـ»الإدانات والعويل المدفوع الثمن مسبقًا لا يساوي شيئاً».
وقال نائب وزير الخارجية في حكومة الجماعة، عبد الواحد أبوراس، إن السعودية تراهن اليوم، بعدما راهنت في السابق على أمريكا، على ما سمّاهم الأدوات المحلية، معتبرًا أنها ستكون بذلك «أكثر خسراناً» وفق وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) بنسختها التابعة للجماعة.
وأشار إلى أن ما وصفه بـ «إصرار السعودية على حصار اليمن» سينعكس على الاقتصاد السعودي، مؤكدًا «أن الحصار بالحصار معادلة قائمة».
وفي ذات السياق، نفى القياديان حسين العزي ومحمد الفرح جدوى التحالفات ضدهم، داعيين إلى عدم افتعال معارك وهمية تحت ذريعة العلاقة مع إيران أو تبرير حصار البلاد والسيطرة على ثرواتها.
ولم يقتصر هذا الصراع المحتدم على أبعاده العسكرية والسياسية فحسب، بل امتدت شظاياه لتمس أعمق الملفات الاقتصادية حساسية؛
إذ أعلن وزير النفط والمعادن، محمد بامقاء، أن قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية استئناف تصدير النفط يُمثّل خطوة استراتيجية لا رجعة عنها. هذا القرار لقي أصداءً ومطالبَ مشروطة في أكبر المحافظات إنتاجًا للنفط؛
حيث أعلنت السلطة المحلية بمحافظة حضرموت (شرق) دعمها لقرار استئناف التصدير، لكن مع تمسكها الصارم بحصتها البالغة 20 بالمئة من عائدات النفط الخام المُنتج من قطاعاتها للتنمية المحلية، وهو الموقف الذي أيدته أيضاً اللجنة التحضيرية للمجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعية الحضرمية.
وبعيداً عن واجهة المواجهة الكبرى وتصعيد البحر الأحمر، شهدت بعض المحافظات أحداثاً أمنية واشتباكات محلية متفرقة، إذ نجحت وساطة قبلية في الجوف في احتواء توتر أمني بين مسلّحين قبليين ونقطة تفتيش للحوثيين بين منطقتي المهماشمة واليتمة، أسفر عن سقوط 7 قتلى.
أما في مدينة تعز، فقد اتهمت الحكومة المعترف بها دوليًا الجماعة باستهداف المجمع القضائي بقذائف الهاون دون وقوع خسائر بشرية، وهو ما أدانته وزارة العدل بالحكومة الشرعية، واعتبرته انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني.
إزاء ما شهدته محافظتا مأرب والجوف وغيرهما، لم يصدر أي تعليق من جماعة «أنصار الله» تأكيدًا أو نفياً.
وعند قراءة هذا التدهور السريع، يتبين أن هذه الجولة الشديدة لم تكن وليدة اللحظة، بل ترجع جذورها المباشرة إلى تفاعلات الشهرين الأخيرين؛
إذ بدأت معالم التصعيد تتشكل منذ يونيو/ حزيران الماضي عقب رفع قوات التعبئة العامة للجماعة جاهزيتها القتالية، وتفاقمت مع أزمة مطار صنعاء إثر هبوط طائرة إيرانية «ماهان» في 3 يوليو/ تموز.
وكان قصف المقاتلات الحربية لمدرج المطار لمنع هبوط الرحلة الثانية لذات الطائرة النقطة التي أعلنت إثرها الجماعة أن تلك العملية مثلت إنهاءً لمرحلة خفض التصعيد، لتنطلق بعدها في تنفيذ هجمات على مطار أبها السعودي وإسقاط طائرة استطلاع في البيضاء،
وصولاً إلى إعلانها في 20 يوليو فرض حظر بحري على الملاحة السعودية، جراء ما اعتبرته استمرار الحصار الظالم على اليمن؛ وهو ما ترفضه الحكومة المعترف بها دوليًا وتنكره السعودية.
وتسود الجبهات الداخلية في اليمن حالة من الترقب والحذر في ظل استمرار الاشتباكات المحدودة في عدد منها، في سياق قرع متواصل لطبول الحرب،
لاسيما في ظل تعثر جهود التهدئة واستمرار تبادل الاتهامات بخرق الهدنة، وسط مخاوف من تصعيد عسكري واسع النطاق قد يُعيد إشعال النار في كافة الجبهات، بعد أربع سنوات من الهدنة، وما أعقبها من خفض التصعيد.
أحمد الأغبري