سيناريو الصدام الشامل... تحركات الميدان تنهي الهدنة اليمنية الهشّة
الرأي الثالث
يقترب اليمن من صدام شامل ما بين القوات الحكومة الشرعية وجماعة الحوثيين، إذ تشير التحركات الميدانية المتسارعة على مختلف الجبهات، إلى أنّ الانفجار الميداني بات مسألة وقت، ما يعلن عن النهاية الفعلية للهدنة الهشّة الصامدة شكلياً منذ إبريل/ نيسان 2022.
ولم تعد خطورة التصعيد الميداني الحالي محصورة في النطاق المحلي، إذ ينسف التصعيد عملياً كل جهود المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بعد سنوات من الدبلوماسية بين العواصم الإقليمية والدولية لحشد التأييد لـ"خريطة الطريق الأممية".
تصعيد متواصل من الإعلام إلى الميدان
وانهارت حظوظ هذه التسوية السياسية أمام خطاب التصعيد الحوثي الذي انتقل سريعاً من أروقة السياسة والإعلام إلى الميدان، بتنفيذ الجماعة خلال الأسبوع الماضي هجمات عسكرية استهدفت سفناً سعودية، ردّت عليها الرياض بقصف الحديدة وجزيرة كمران،
فيما أعلن الحوثيون قصف منشآت لـ"أرامكو" في جيزان وينبع، ما وضع المنطقة بأسرها على صفيح ساخن ورهن حسابات عسكرية مغايرة.
وعلى مستوى الجبهات الداخلية، تمثل المواجهات المسلحة الدامية التي شهدتها محافظة الجوف بين الحوثيين وقبائل آل جعيد ودهم، والناجمة عن الاحتقان المتراكم جراء قيود نقاط التفتيش التعسفية، تحولاً نوعياً في ديناميات الصراع،
إذ يتقاطع هذا السخط القبلي في اليمن مع حالة الاستنزاف العسكري للجماعة، ليبرز التلاحم القبلي بوصفه عاملاً مضاعفاً لخنق النفوذ الحوثي في المحافظات الشمالية، ويخلق بيئة ميدانية حاضنة وقابلة للاستثمار العملياتيّ من القوات الحكومية.
وفي بُعد إقليمي وجوي متوازٍ، جاء إعلان الجماعة، أمس الأحد، إسقاط طائرة استطلاع مسلحة من طراز "بيرقدار أكنجي" في أجواء الجوف، مقترناً برصد تحركات صاروخية واستهدافات جديدة للملاحة في الجزء الجنوبي من البحر الأحمر،
ليؤكد أن أطراف الصراع انتقلت كلياً إلى تكتيك رفع السقف العسكري، لاختبار خطوط الردع الإقليمية والدولية وفرض الشروط بالقوة.
وتكتمل هذه الصورة الميدانية بالتزامن مع تجدّد القصف المدفعي الحوثي على المنشآت الحيوية والمدنية في مدينة تعز المحاصرة،
في رسالة واضحة مفادها أنّ خطوط التماس كافّة، الممتدة من باب المندب جنوباً وصولاً إلى تعز والجوف شمالاً، باتت مسرحاً واحداً لقواعد اشتباك جديدة قابلة للاشتعال المتزامن.
وتؤكد هذه المعطيات المتشابكة أنّ الانسداد السياسي الراهن في اليمن دفع مختلف الفاعلين إلى إعادة تفعيل الورقة العسكرية، لفرض معادلات جديدة بالقوة،
وهو المشهد الذي يفرض قراءة متأنية للخيارات الاستراتيجية ومحاور المواجهة المرتقبة، ولا سيّما مع اكتمال مقومات الصدام ورغبة الأطراف الشديدة في كسر حالة الجمود الميداني في اليمن.
من جهتها، حذّرت إيران، أمس، من توسع الصراع مع الولايات المتحدة، إذ قال المتحدث باسم الجيش الإيراني، محمد أكرم نيا، إن الحرب "ستتسع أكثر" إن قرّرت الولايات المتحدة مواصلة شنّ الضربات على إيران،
مذكراً ضمن حديثه بأن الحرب سبق أن امتدت إلى مضيق باب المندب.
جبهات شرارة الانفجار في اليمن
وفي قراءة ميدانية لسيناريوهات المواجهة المرتقبة، يرى الباحث اليمني في الشؤون الأمنية والسياسية، عاصم المجاهد، أن جبهات مأرب تُشكّل نقطة التحوّل الاستراتيجي الأقرب في أي معركة برّية مقبلة
موضحاً أن موقعها الميداني يمنحها أفضلية عملياتية فائقة لارتباطها بمحاور حيوية يمكنها التمدد جنوباً نحو البيضاء وشمالاً باتجاه الجوف".
وأشار المجاهد إلى أن تفعيل هذين المسارين بالتوازي "كفيل بفرض ضغط عملياتي متزامن على الجماعة الحوثية، ما يحدّ من قدرتها على المناورة ويجعل هذه المحاور الأكثر ملاءمة لإدارة معارك واسعة النطاق".
وحول مدى قدرة القوات الحكومية على فتح جبهات متعددة لتشتيت الخصم، أكد المجاهد أن الشرعية تمتلك الإمكانات البشرية والعسكرية الكافية لتحقيق ذلك، سواء من حيث أعداد المقاتلين أو الانتشار الميداني والتجهيزات
مستدركاً أن "العامل الحاسم طوال السنوات الماضية كان يكمن في القرار السياسي والعسكري الموحد"، وهو ما يفسّر الجهود الأخيرة لتوحيد القيادة وإعادة الهيكلة وإنشاء غرف عمليات مشتركة للتخطيط والتنسيق
مؤكداً أن نجاح أي هجوم واسع لا يتوقف على قوة كل جبهة بمفردها، بل على إدارة جميع الجبهات وفق خطة عملياتية موحدة ومترابطة".
وفي مفاضلته بين خطوط التماس الخمسة لتحديد شرارة الانفجار البرّي، يرجّح الباحث الأمني جبهة مأرب لتكون المنطلق لأي عملية عسكرية موسعة، كونها تمثل رأس حربة الشرعية والثقل العسكري والسياسي الأبرز منذ الانقلاب الحوثي،
وتعتمد على حاضنة قبلية صلبة وشبكة إمداد وتموين أيسر مقارنة بغيرها، فضلاً عن تراكم الخبرة القتالية لدى قواتها.
وضمن هذا التسلسل العملياتي، وضع المجاهد جبهة الساحل الغربي في المرتبة التالية مباشرة، ليس لأهميتها الميدانية فحسب، بل "لكونها المفتاح الحاكم لقطع خطوط إمداد الحوثيين ونزع سيطرتهم عن الحديدة،
وهو ما يعني خنق الجماعة عسكرياً ولوجستياً وتقليص قدرتها على المماطلة والاستمرار في الحرب".
وعن أثر الأسلحة غير المتناظرة وتكتيكات الجماعة على خريطة المواجهة، يوضح المجاهد أن الحوثيين نجحوا خلال السنوات الماضية في تعويض الفارق في القوة التقليدية عبر الاستثمار المكثف في الطائرات المسيّرة والصواريخ، وتطوير تكتيكات الأنفاق والتحصينات الجبلية وحرب العصابات،
وهي أدوات رفعت كلفة الهجوم البرّي وقللت من فاعلية التفوق التسليحي والعددي للحكومة"، واختتم بالتحذير من أن الحروب لا تُحسم بالسلاح وحده، بل بمهارة القيادة في فتح محاور متعددة تمنع الخصم من حشد قواته في نقطة واحدة.
بدوره، يعتبر الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، مراد العريفي، أن الفاعلين في الصراع "باتوا يتوسلون القوة العسكرية لتحسين تموضعهم السياسي، بالتوازي مع رفع جاهزيتهم لاحتمال تفلت التصعيد من نطاق السيطرة وانتقاله إلى مواجهة شاملة"،
ويلفت إلى أن "التبادل الأخير للضربات، يُشكّل أخطر اختبار لحالة التهدئة القائمة منذ عام 2022، متزامناً مع مؤشرات ميدانية وسياسية تُرجح كفة الذهاب نحو الحرب عند مختلف الأطراف".
ويرى الباحث أن ترجيح خيار الحرب لدى جماعة الحوثيين يرجع إلى رغبتها في الهروب إلى الأمام لتجاوز الاحتقان الشعبي والأزمات الداخلية، فضلاً عن طبيعتها البنيوية كجماعة مسلحة تمنحها ظروف الحرب نفوذاً وسيطرة أوسع مما تتيحه حالة التهدئة
إضافة إلى ارتباطها العضوي بإيران. في المقابل، تدرك الحكومة، المعترف بها دولياً، وفق رأيه، أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة نموذجية لخوض المعركة، مستفيدة من إعادة تنظيم وتوحيد قرارها العسكري والسياسي، ومن تحول الموقف الدولي الذي بات ينظر للحوثيين بوصفهم تهديداً إقليمياً مباشراً وعضواً فاعلاً في محور المقاومة".
أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فيشير العريفي إلى أنّ السعودية اعتبرت سلوك الحوثيين الأخير تجاوزاً صريحاً للخطوط الحمراء، وهو ما دفعها للرد بالقوة.
ورغم هذه المؤشرات، يعرب عن اعتقاده بأن ما قد يكبح جماح الانزلاق نحو معركة شاملة هو استراتيجية الاحتواء السعودية.
ويخلص إلى أنه في حال تفجر مواجهة برّية واسعة، فإن الحلف المُناهض للحوثيين يمتلك أفضلية عسكرية نسبية، مستفيداً من الجهود التي بُذلت خلال الأشهر الستة الماضية لتوحيد القرار السيادي والحد من تشتت الولاءات داخل المنظومتَين العسكرية والأمنية.
فخر العزب
صحافي يمني