لماذا يُنكر «الانتقالي» الهوية اليمنيّة ويتبنى سردية الجنوب العربي؟
الرأي الثالث
أكّدت بيانات التظاهرات الأخيرة للمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المنحل، تمسكه باستعادة ما يُسميها «دولة الجنوب العربي»، مكرسًا بذلك تنكره للهُوية اليمنيّة، بينما لم يشهد التاريخ السياسي اليمني وجود دولة بالاسم الذي يدّعي «الانتقالي» استعادتها؛
إلا أن هذا الاسم ليس وليد اللحظة، فقد كان حاضرًا في سياق صراع هُوية عاشه جنوب اليمن، وهذا الصراع كان صنيعة الاحتلال البريطاني لجنوب وشرق البلاد (1839-1967)، بهدف سلخ الجنوب عن الشمال، للحيلولة دون تحريره.
وقبل ذلك كانت ترد تسمية «الجنوب العربي» في بعض المصادر الأجنبية الكلاسيكية في إشارة إلى جغرافيا اليمن الكبير، كما أن اسم اليمن يعني الجنوب، أي جنوب الجزيرة العربية.
تشكلت الدولة الوطنية اليمنيّة الحديثة من خلال جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، التي تغيّر اسمها إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في جنوب وشرق البلاد، والتي أُعلن عنها بعد الاستقلال عام 1967،
وقبل ولادتها كان قد سبقها إعلان قيام الجمهورية العربية اليمنيّة في شمال وغرب البلاد عام 1962، وهما الدولتان اللتان كانتا عضوين في هيئة الأمم المتحدة،
ومن ثم أعلنتا طواعية دخولهما في وحدة اندماجية في جمهورية واحدة اسمها الجمهورية اليمنية عام 1990، وفق اتفاقية موقعة بين الشطرين، تنص على أن الوحدة اليمنية «أبدية لا رجعة فيها».وتعتبر الاتفاقية الوحدة ملزمة لكافة الأجيال.
في حرب صيف 1994، أعلن نائب الرئيس اليمنيّ علي سالم البيض، محاولة الانفصال الأولى، وما سمّاه حينها بـ«فك الارتباط»، بهدف استعادة ما كان قائمًا في الجنوب والشرق، وهي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
لكن تلك المحاولة فشلت، واستطاعت قوات الرئيس علي عبد الله صالح الإمساك بزمام الأمور وتكريس الوحدة. ترتب عن تلك الحرب تأسيس حركات انفصالية عقب محاولة علي سالم البيض، كالجبهة الوطنية للمعارضة الجنوبية «موج»، التي تشكّلت من عدد من المكونات، منها حزب الرابطة،
ومثلت على ما يبدو بداية لاستئناف التعبير عما يُعرف بهوية الجنوب العربي وإن كان بشكل غير واضح، بعد أن كان الحديث عنها قد طوي مع رحيل المستعمر البريطاني.
بينما شكلت حركة موج الواجهة السياسية للمعارضة الجنوبية في الخارج بشكل أدق، كان تشكيل حركة تقرير المصير «حتم» بقيادة عيدروس الزُبيدي كذراع ميداني مسلح؛ وجاء تأسيسها عام 1996، وكانت تطالب باستعادة دولة الجنوب، التي كانت قائمة قبل الوحدة.
في عام 1997 حوكم عيدروس الزُبيدي غيابيًا، بالإعدام بتهمة قيادة هذه الحركة.
وفي عام 2000 توقف نشاط الحركة عقب صدور قرار عفو رئاسي، فانخرط بعض قياداتها في العمل السياسي السلمي.
استعادة الدولة
في عام 2007 ظهر ما يُعرف بـ«الحراك الجنوبي» من خلال اعتصامات طالبت بإعادة المبعدين من وظائفهم من الكوادر الجنوبية عقب حرب صيف 1994، لكن سرعان ما تحول إلى حراك سياسي طالب بما يُسمى بـ«فك الارتباط» عن الشمال و«استعادة الدولة».
وكان قد سبق الحراك تأسيس «تيار إصلاح مسار الوحدة» داخل الحزب الاشتراكي اليمني. في فترة لاحقة تم تغيير اسم حزب رابطة أبناء اليمن «راي» إلى حزب رابطة أبناء الجنوب العربي، كان ذلك في عام 2014،
وكانت الرابطة سبق وتبنت تسمية الجنوب العربي في مشروعها، سواءً قبل الوحدة أو بعدها، بل إن الاسم الذي عادت إليه كان جزءًا من اسمها في عهد المستعمر البريطاني قبل الاستقلال عام 1967.
ويذهب مراقبون إلى أن الحراك الجنوبي شهد تشكل تيارين: تيار استعادة الدولة، التي كانت قائمة في الشطر الجنوبي من اليمن، وتيار يدعو لهوية مختلفة، وهذا تيار تأثر بطرح حزب الرابطة، وكان يرى أن ما يسمّيها «اليمننة» هي سبب ضياع ما يُسميه الجنوب.
خلال الفترة من 1994-2017 كانت الرابطة هي التنظيم الوحيد الذي تبنى سياسياً طرح اسم «دولة الجنوب العربي» بوضوح.
في عام 2017 تم تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، ومعه بدأ التركيز بشكل أكثر وضوحًا على تسمية الجنوب العربي كعنوان لهُوية جديدة للدولة المنشودة، التي يطالب بها الانتقالي في سياق مسعاه للتمييز بين الهُوية اليمنية التي يرى أنها مرتبطة بالشمال، وما يعتقد إنها الهُوية الجنوبية؛
ومثل هذا التقسيم للهُوية اليمنية هو يستهدف ما استهدفه المستعمر البريطاني من اختراعها، وهو القضاء على أي محاولة للوحدة، من خلال استهداف أواصرها الحقيقية.
كما أن دُعاة هذه الهُوية الجهوية يستهدفون، من خلالها، التنصل من التزامات اتفاقية الوحدة الملزمة والابدية، من خلال سلخ جنوب البلاد وشرقها عن شمالها وغربها؛ مما يحول دون استعادة الوحدة اليمنية مستقبلًا.
بينما هناك مكونات جنوبية أخرى ترفض طرح «الانتقالي» والرابطة وغيرهما، وتُدرك يمنيّة الجنوب هُوية وثقافة وحضارة وتاريخ، وتؤمن بالوحدة كخيار لا رجعة عنه.
الهُوية اليمنية
«ينظر المؤرخون إلى اليمن باعتباره حضارة عريقة تشكَّلت في جغرافيتها دول وممالك شهيرة، واليمن قديمًا -كما هو اليوم- ليس دولة طارئة، وليس للاستعمار القديم أو الحديث دور في تشكيل هويته الوطنية يمنية الدولة الحاضرة في دلالتي الجغرافيا والتاريخ،
وأيضًا حضارة مدونة بآثار ونقوش المسند كافية لتحديد هويته دون عناء وبلا تنازع»، حسب الباحث مصطفى الحذيفي في دراسته «صراع الهوية في جنوب اليمن 1839- 2019»،
موضحًا أن «الهُوية اليمنية الجامعة قد استوعبت عبر حقب التاريخ تعدد الممالك والدول المتصارعة في فضائها الجغرافي دون خروج عنها أو تنكُّر»،
مشيرًا إلى أن المراجع التاريخية تحدد موقع اليمن الذي «يتاخم معظم جزيرة العرب، فيحده من الشمال نجد والحجاز، ومن الشرق خليج عُمان إلى رأس قطر، ومن الجنوب البحر العربي المتصل بالمحيط الهندي، ومن الغرب البحر الأحمر».
وقال: وعلى هذا الحيز الجغرافي تأسست الممالك اليمنية القديمة مملكة أوسان، ومملكة معين، ومملكة قتبان، ومملكة حضرموت، ومملكة سبأ، ومملكة سبأ وذو ريدان، ومملكة سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت. وقد مثَّلت مملكة سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت أكبر الممالك في وحدة يمنية واحدة، أما الممالك المستقلة عن بعضها فلم تخرج تاريخيًّا عن اسم ممالك يمنية وكانت تتسع أو تضيق وفقًا لنوع الحكام.
وأضاف أن «اليمن يُعَدُّ من الهويات التاريخية التي لم يتم نقضها مجتمعيًّا أو سياسيًّا، فهي لم تنزوِ إلى كتب التاريخ كما انزوت هويات تاريخية كبرى غادرت المجتمع وظلت سرديات تاريخية، مثل البابلية والآشورية والكنعانية والفينيقية والفرعونية، فلم تَعُدْ تُمثِّل أية هُوية سياسية لمجتمعاتها الحديثة أو المعاصرة، بينما ظل اليمن هُوية اجتماعية وسياسية مستعملة في سياق تاريخي متواصل».
واستغرب «أن يتصاعد في جنوب اليمن خطاب يُنكر الهُوية اليمنيّة أو يتعمد إلغاءها ليستبدل بها هُوية جهوية غير معلومة تاريخيًّا ولا حضاريًّا، ولا خاضعة لأيٍّ من معايير الهُويات السياسية».
وأشار إلى أن تاريخ اليمن لم يعرف دولًا وحدوية ودولًا انفصالية، وإنما عرف دولًا قوية ودولًا ضعيفة.
وأكّد أن «الهُوية اليمنية لم تعرف تصدعًا أو نكرانًا أو انكسارات حتى أخضعت بريطانيا جنوب اليمن لحكمها بين عامي 1839– 1967، وكان لهذا الاحتلال دور في محاولة شطب الهُوية اليمنية، وترسيخ مسميات محلية خارج سياق الهُوية التاريخية المتعارف عليها،
بدءًا بممارسة دور التفتيت للجنوب في خلق كيانات عشائرية وقبلية، وتكوينات عائلية ما دون الدولة الوطنية بلغ عددها 22 كيانًا طارئًا، ثم تجميع هذه الكيانات قبيل الاستقلال لحاجة استعمارية تحت اسم الجنوب العربي وإفراغ الهُوية اليمنية منه».
وأشار إلى أن اهتمام رواد حركة التحرير الوطنية في الجنوب اقتصر حول إحياء الهوية للجمهورية الوليدة عقب الاستقلال ضمن خيارين متنازعين، الأول: خيار استعماري تحت اسم اتحاد إمارات الجنوب العربي،
والثاني: خيار وطني تحت اسم جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية عند إعلان الاستقلال 1967، ثم استقر لاحقًا تحت اسم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، 1968، بنزع صفة الجنوب عنها والاكتفاء بتأكيد الهوية اليمنية للدولة المستقلة.
ويقول الحذيفي، في الدراسة الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، إنه «منذ العام 1994، ظلت السعودية والإمارات تمارسان دورًا سلبيًّا في دعم الانفصال ومحاولة فرض تجزئة الهُوية، أو شطبها نهائيًّا من خلال أدوار يؤديها المجلس الانتقالي الجنوبي المعلن تأسيسه في 11 أيار/مايو من العام 2017 الذي يُعلن صراحة إنكار الانتماء إلى اليمن بل ويعتبر اليمن احتلالًا للجنوب،
ولا ترد كلمة اليمن في مطالبه وخطاباته وبياناته المعلنة، ويدعو إلى استعادة دولة الجنوب العربي ذات الاسم الاستعماري لما قبل الدولة اليمنية في الجنوب».
ثنائية القوة والسردية التاريخية
لماذا ينكر المجلس الانتقالي الجنوبي الهُوية اليمنية؟ وماذا سيجنيه من تبنى سردية هُوية مختلفة؟
مما لا شك فيه إن المجلس الانتقالي يتبنى هُوية «الجنوب العربي» كبديل للهُوية اليمنية الموحدة، مدفوعاً بأهداف سياسية وجيوسياسية.
ويأتي هذا التوجه-وفق مراقبين- في إطار صراع أوسع على التمثيل، وهذا الصراع يتطلب فيما يتطلبه ثنائية القوة والسردية التاريخية، والأخيرة مهمة بالنسبة لاستمالة عواطف الجماهير، خاصة بعد حرب 1994، وما تلاها من شعور بالغبن لدى بعض اليمنيين في الجنوب.
مما سبق فإن «الانتقالي» يستهدف من تبني القطيعة السياسية مع ما يسميها «اليمننة» فك الارتباط الهُوياتي والجغرافي مع الجمهورية اليمنية، معتبرًا مسمى «الجنوب العربي» وسيلة لتعريف الجنوب ككيان مستقل وتاريخي وليس كشطر،
وهنا يتجلى أن الهدف هو القضاء على إمكانات استعادة الوحدة.
كما يسعى «الانتقالي»، من خلال ذلك، إلى امتلاك سردية هُوية جديدة تمنحه «مشروعية» تمثيل الجنوب أمام المجتمع الدولي والمنظمات من خلال ما يطالب به، وهو «حل الدولتين»، بعيدًا عن كونه مجرد طرف في صراع داخلي أو طرف متمرد داخل دولة،
وهذا يتجاوز به كثير من المعوقات، وفي سبيل تحقيق ذلك يمكن أن يذهب بعيدًا، بدليل ما يصدر عن قيادته من تصريحات تُبدي استعدادًا للاعتراف بإسرائيل بمجرد قيام ما تُمسى دولة الجنوب العربي.
أحمد الأغبري