لا مفاوضات ناجحة والحرب أقرب
هناك إمكانية ورغبة لبنانية في تحقيق السلام والأمن في لبنان نتيجة قدرة دونالد ترمب الضغط على نتنياهو للانسحاب الكلي من لبنان، لكن من يأمل بذلك نتيجة توافق أميركي إيراني غارق في الأوهام.
يتحدث ترمب يومياً عن استسلام إيران وقرب توقيعها اتفاقات جديدة، وطهران تصعد رفضها لتعود الأمور إلى منطلقاتها الأصلية، لا إمكانية تسوية بين البلدين ابتداءً من عام 2020 تقريباً،
ففي ذلك العام قضى ترمب على مهندس الخريطة الإيرانية في المشرق، قاسم سليماني، وأطلق بداية رده على من أراد الشرق الأوسط خالياً من الأميركيين.
غير أن المعركة الحربية الشاملة فلم تندلع سوى بعد حرب غزة التي اعتبرتها إيران رداً من جانب الفلسطينيين على مقتل سليماني،
ونتيجة لغزوة "حماس" التي أطاحت بحسب علي خامنئي بمشروع المعبر الهندي - العربي الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في نيودلهي وسط ترحيب هندي ومن الخليج العربي.
وعن الهدف الثالث، قال خامنئي إن الغزوة نسفت مشروع التقارب بين السعودية وإسرائيل الذي كانت تقوم في شأنه مفاوضات، اشترطت خلالها الرياض تنفيذ قرار حل الدولتين، الذي نشطت من أجل تحقيقه مع فرنسا ونال دعماً دولياً.
إيران عدت أن "غزوة غزة" هي ببساطة إحباط لهذا المشروع، وهو ما تعتبره إنجازاً لها.
عملياً، اعتمدت إيران عبر تشكيلها "ساحات المقاومة الموحدة"، مشروعاً جدياً لإخراج أميركا من غرب آسيا وتدمير إسرائيل ووضع المنطقة تحت إشراف طهران الفعلي.
وكان الفهم الأميركي يتطور، بنتيجة المفاوضات التي استعيدت بعد عودة ترمب إلى الرئاسة، وتوصل إلى أنه لا يمكن ترك الأمور على مسارها.
استعاد ترمب مكامن التحدي وطرح على الإيرانيين شروطه، ومن بينها وقف تمويل وتحريك وكلائهم، وتقليص برنامجهم الصاروخي، والسماح بحركات الاعتراض في الداخل الإيراني.
وعندما قرر ترمب خوض الحرب بالتعاون مع نتنياهو، كان قد وصل إلى قناعة بأن الشعارات التي طرحها في المفاوضات لاقت رفضاً حاسماً من مفاوضيه.
اعتقد الرئيس الأميركي أنه سيدمر بسرعة النظام السياسي الإيراني، لكن مقتل القادة لم يؤد إلى انهيار النظام، بل شدد سلطة "الحرس الثوري"
وجعل ورقته الوحيدة في التفاوض الجديد مضيق هرمز، وهيأ وكلاءه في لبنان واليمن والعراق لاستكمال حروبهم، وربط بين "هرمز" وثمن بخس بدا أنه مستعد لدفعه في العراق، عبر السماح بتنفيذ قرار الحكومة حصر السلاح بيد الدولة قبل الـ30 من سبتمبر (أيلول) المقبل.
فكيف إذاً ستنجح مفاوضات شاملة، وكيف يمكن تحقيق تقدم لمصلحة الدولة اللبنانية في المفاوضات الخاصة بها؟
في خلاصة الصورة الآن، تستمر إيران بالضغط لتحقيق شروط تمسكها بمضيق هرمز مهما كلف الأمر، ولو أدى ذلك إلى نشوب الحرب الشاملة التي استعدت لها سلفاً بتحريك أذرعها، خصوصاً في اليمن،
ودفعها إلى إشغال السعودية وإغلاق الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما استبقته السعودية بتعزيز موقعها، خصوصاً على البحر الأحمر عبر إعلان العمل الدفاعي المشترك مع تركيا وباكستان.
هنا تخسر إيران نقطة كانت تنوي استغلالها، فلم يبق لها سوى استمرار التحكم بلبنان وعرقلة محاولته التوصل إلى حل برعاية أميركية، للصراع مع إسرائيل.
قامت خطة إيران منذ البداية على تخوين القيادة اللبنانية، ورفض التعاون معها في المفاوضات بوصفها "حكومة خائنة".
تبنى "حزب الله" هذا الموقف تماماً وحاول وضع جمهوره في مواجهة الدولة في كل سلوكات، من دون الوصول إلى حد سحب وزرائه منها.
التقى هذا الموقف الإيراني مع الموقف الإسرائيلي تماماً، إذ إن إسرائيل لم تقبل منذ البداية بورقة التفاهم وانتظرت انهيارها. وهي رفضت في البداية دعوة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى التفاوض منذ مارس (آذار) الماضي،
لكن تعبيراً عن انسجامها التام مع الرئيس دونالد ترمب، قبلت بالتفاوض في لبنان وبمذكرة التفاهم بانتظار التطورات.
حقق التفاوض برعاية أميركا هدنة طويلة وعودة قسم كبير من النازحين، لكن كان يمكن تحقيق إنجازات أكبر لو اندمج الحزب في خطة الدولة للانسحابات، فيضع قدراته في خدمتها.
عدم الاندماج هذا جعل إسرائيل تعرقل أبسط الخطوات، وتتوسع في اعتداءاتها، في أعقاب رصد أي تحرك من جانب "حزب الله"، أو أي اشتباه بشيء من ذلك القبيل.
الشيء الجديد الذي طرأ سياسياً على الجبهة اللبنانية كان تكرار ترمب استعداده العمل مع "حزب الله"، وربما العمل مع الرئيس السوري أحمد الشرع في حل المشكلة،
بينما وجد "حزب الله" في ذلك فرصة لمد اليد إلى دمشق الجديدة، وربما عبرها إلى ترمب، ولكن هذه المرة بأمل كسب الوقت وربما حماية الخطوات الإيرانية.
لقد انفتح زعيم الحزب نعيم قاسم على حوار مفيد مع الرئيس أحمد الشرع، معتقداً أنه يكسب وقتاً لمصلحته ولمصلحة إيران، قافزاً مرة أخرى فوق حقيقة أن علاقات لبنان وسوريا ستبنى على قاعدة الحوار المؤسساتي وليس كما في زمن النظام البائد.
كيف سيأتي الاتفاق إذا ساءت هذه الأجواء؟ لبنان سيبقى مراهناً على الشرع والاتفاق في هرمز. ومصدر ثقة لبنان القوية في قدرة ترمب على أن يبلغ نتنياهو بضرورة الانسحاب الفوري من لبنان،
حتى من دون تفاوض، بحسب ما يقول إسرائيليون، وربما إجبار إيران على ترك لبنان في لحظات... وربما إشعال الساحات في مشهد رأينا بداياته.
طوني فرنسيس
إعلامي وكاتب سياسي لبناني