حرية الاعتقاد وضوابط التعايش الإنساني
ليس من العدل أن يمارس الإنسان جميع رغائبه بلا حدود تضبطها الشرائع والقيم، كما أنه ليس من حقه الطبيعي أن يشبع غرائزه دون ضوابط أخلاقية وقانونية توجه سلوكه وتحفظ حقوق الآخرين. فالإنسان، بحكم طبيعته البيولوجية، يميل إلى إشباع شهواته وتحقيق رغباته، وقد لا يقف عند حدود الاكتفاء والإشباع، بل قد تدفعه نزعة الاستحواذ وحب التملك إلى الاحتكار والسيطرة، إما خوفاً من الفقد والنفاد، أو خشية من المنافسة وفقدان النفوذ.
ولهذا فإن الإنسان، إذا تُرك لأهوائه دون تهذيب أو تقويم، قد يتحول إلى كائن تحكمه المصالح والرغبات أكثر مما تحكمه القيم والمبادئ. ومن هنا جاءت أهمية الدين في تقويم السلوك، والأخلاق في تهذيب الغرائز، والقانون في تنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات.
والإنسان، كما أنه اجتماعي بطبعه، فهو طموح بفطرته، يسعى إلى التميز وتحقيق المكانة، وتستثيره المنافسة على النفوذ والوجاهة والسلطة. وهذه النزعات ليست شراً في ذاتها، لكنها قد تتحول إلى مصدر للصراع والظلم إذا لم تُضبط بمعايير العدل والحق والمسؤولية.
ولكي لا تتحول الحياة إلى ساحة مفتوحة للتنازع الشهواني والاصطراع الغرائزي، حيث تسود شريعة القوة وتغيب قيم العدالة والمساواة، فلا بد من الالتزام بمنظومة متكاملة من المبادئ الدينية والأخلاقية والقوانين المدنية التي تنظم حياة الناس وتحفظ حقوقهم وتصون كرامتهم.
وإذا انضبط الإنسان وفق فطرته السليمة، واحتكم إلى القيم الأخلاقية والإنسانية الرفيعة، فإن من حقه الكامل أن يعتقد ما يشاء وأن يتبنى ما يراه صواباً من الأفكار والقناعات. فحرية الاعتقاد حق أصيل للإنسان، ولا يجوز لأحد أن يفرض معتقده على غيره، أو أن يُكره الآخرين على تبني قناعاته مهما ظن أنها الحق المطلق.
فليس للإنسان سلطة على ضمائر الناس وعقولهم، لأن لكل إنسان عقله الذي يفكر به، وفهمه الذي يدرك به، ووعيه الذي يتأمل من خلاله. ومثلما يتمسك المرء بقناعاته ويؤمن بصحتها، فإن غيره يتمسك بقناعاته أيضاً ويرى فيها ما يراه حقاً وصواباً.
لقد كفلت الشرائع السماوية حرية الاختيار، وأقرت سنة الاختلاف بين البشر، وجعلت التنوع في الآراء والأفكار جزءاً من طبيعة الحياة الإنسانية. ولذلك ينبغي ألا تتحول الخلافات الفكرية والعقدية إلى ذرائع للاستبداد والإقصاء، أو إلى محاولة لفرض رؤية واحدة تحت شعار: "ما أريكم إلا ما أرى".
إن حاجتنا اليوم ليست إلى مزيد من الصراع حول ما يفرقنا، بل إلى البحث عما يجمعنا من قيم مشتركة وثوابت إنسانية ووطنية، وإلى النظر إلى كثير من اختلافاتنا بوصفها مظاهر طبيعية للتنوع والتعدد، ومصادر للإثراء والتكامل لا أسباباً للعداء والانقسام.
وعلى هذا الأساس يمكن بناء مجتمع متماسك يسوده السلم والتعايش، في ظل دولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واحترام الحريات، وتحقيق العدالة للجميع دون تمييز أو إقصاء.
✍️ أ . أمين الجبر
كاتب وباحث يمني