إذا كان الجميع يدافع عن الوطن... فلماذا يخسر المواطن؟
منذ سنوات ونحن نسمع الحديث عن الوطن في كل مكان.
باسم الوطن تُخاض الحروب.
وباسم الوطن تُفرض التضحيات.
وباسم الوطن يُطلب من الناس الصبر على الجوع وتحمّل الفقر والتعايش مع انقطاع الرواتب وتراجع الخدمات.
لكن المواطن البسيط الذي يدفع الثمن كل يوم من حقه أن يسأل:
إذا كان الجميع يدافع عن الوطن
فلماذا يخسر المواطن في كل مرة؟
سؤال قد يبدو بسيطًا لكنه يفتح بابًا واسعًا للتفكير.
فما هو الوطن أصلًا؟
هل الوطن هو الأرض فقط؟
أم السلطة؟
أم الحدود المرسومة على الخرائط؟
أم أنه الإنسان الذي يعيش على هذه الأرض ويحلم بحياة كريمة وآمنة؟
لا أحد يختلف على حب الوطن واليمنيون من أكثر الشعوب ارتباطًا بأرضهم وصبرًا عليها رغم ما مروا به من محن.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الوطن من بيتٍ يتسع للجميع إلى شعارٍ يتحدث باسمه الجميع.
فعندما يصبح المواطن آخر من يُفكر فيه وأول من يدفع الثمن.
فهنا يصبح من حقنا أن نراجع بعض المفاهيم التي اعتدنا ترديدها دون أن نتوقف أمامها.
عندما نتأمل في هجرة الرسول ﷺ من مكة
وهي أحب البلاد إلى قلبه نجد درسًا عظيمًا في ترتيب الأولويات.
فالمحافظة على الإنسان وكرامته وحرية معتقده كانت مقدمة على التعلق بالمكان رغم مكانته وقدسيته.
وهذا لا ينتقص من قيمة الأرض أو الانتماء إليها بل يضع الأمور في موضعها الصحيح.
فالأرض تكتسب قيمتها من الإنسان
والإنسان لا ينبغي أن يتحول إلى وقود لصراعات لا تنتهي.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس:
من أكثر الناس حديثًا عن الوطن؟
بل:
من أكثرهم حرصًا على الإنسان الذي يعيش فيه؟
من يحافظ على كرامته؟
من يسعى لتحقيق العدالة بين أبنائه؟
من يحمي حقه في التعليم والعلاج والعمل والحياة الكريمة؟
من يجعل المواطنة حقًا متساويًا للجميع بعيدًا عن أي تمييز أو إقصاء؟
فالوطن الحقيقي لا يُقاس بكثرة الشعارات ولا بارتفاع الأصوات ولا بحجم الخطابات.
الوطن الحقيقي يُقاس بمدى شعور المواطن بالأمان والعدالة والكرامة والانتماء.
أما حين يصبح الإنسان مجرد رقم في معادلات الصراع
أو وسيلة لتحقيق مصالح الآخرين
فإن المشكلة لا تكون في حب الوطن
بل في الطريقة التي فُهم بها الوطن.
وفي النهاية ربما نحتاج إلى إعادة طرح السؤال بصورة مختلفة:
هل نريد من المواطن أن يضحي من أجل الوطن فقط أم نريد وطنًا يشعر المواطن أنه يستحق كل تضحية؟
فالأوطان العظيمة لا تُبنى بالشعارات وحدها
بل تُبنى حين يشعر الإنسان أن كرامته وحقوقه ومستقبله جزء من معنى الوطن نفسه.
✍️ أ . حميد القهالي
كاتب وباحث يمني