كفى عبثاً.. الدولة ليست عدواً
من هنا يجب أن يقال: كفى.
كفى فوضى تُستخدم ستاراً للتغطية على الجرائم والفساد والانتهاكات. كفى عبثاً يصنع نظاماً أكثر سوءاً من ذلك الذي خرج الناس ضده يوماً وهم يحلمون بالدولة والعدالة والقانون.
قلناها سابقاً ونكررها اليوم: لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض بدون شفافية، وحرية رأي، وقانون نافذ على الجميع، ومؤسسات قادرة على كشف المستور ومحاسبة العابثين، لا أن تتحول البلاد إلى مساحة مغلقة تُخفى فيها الجرائم خلف جدران تصنعها شبكات المصالح والفوضى.
هذه الأدوات التي يتم تحريكها كل مرة لتعطيل احتجاج، أو إفشال فعالية، أو تخوين كل صوت مختلف، ليست ظاهرة جديدة. هي نفسها القوى التي وقفت ضد أي محاولة لبناء الدولة منذ السنوات الأولى لما سُمّي بالمناطق المحررة.
عندما حاول الرئيس عبد ربه منصور هادي استعادة زمام مؤسسات الدولة، خرجت أدوات الفوضى لإفشال كل خطوة.
وعندما حاول أحمد عبيد بن دغر ضبط الإيرادات ووضع موازنة تنظم دخل الدولة وإنفاقها، تحركت نفس الأصوات بالصراخ والتحريض والفوضى، وبدأت محاكم الشارع وأحكام التخوين والتشهير.
لم يكن عدد هؤلاء كبيراً، لكنهم كانوا يمتلكون الغطاء والحماية والقدرة على تعطيل أي مشروع لبناء مؤسسات حقيقية.
كانوا يهاجمون كل محاولة لترسيخ النظام والقانون، يرمون المسؤولين بالاتهامات والشتائم، وأحياناً بالحجارة، بينما تُفتح لهم المنابر وتُمنح لهم الحماية لأن المطلوب لم يكن بناء دولة، بل إبقاء المشهد غارقاً في الفوضى.
هذه القوى عطلت التعليم، وأفشلت ضبط الموارد والإيرادات، وكرّست ثقافة الابتزاز، ومارست أبشع صور الانتهاكات والفساد، حتى تحولت الأزمة بالنسبة لبعضهم إلى مصدر نفوذ وثروة وسلطة.
واليوم، بعد أن بدأ الغطاء يتساقط، بدأت الروائح النتنة تخرج إلى العلن: جرائم مخفية، ملفات فساد، انتهاكات، وسلوكيات صادمة تكشف حجم الخراب الذي تراكم خلال السنوات الماضية. وما خفي ربما أعظم.
المشكلة الحقيقية أن البعض لا يزال يتعامل مع الفوضى باعتبارها “حالة ثورية”، بينما هي في الواقع البيئة المثالية لازدهار المليشيات، والفساد، والابتزاز، وتحويل الناس إلى رهائن للخوف والفقر والانقسام.
الدولة ليست عدواً للناس، بل هي الضمانة الوحيدة لحقوقهم. وعندما تُكسر هيبة القانون ويُستبدل النظام بمنطق الشارع والسلاح والتحريض، فإن الجميع يخسر في النهاية، حتى أولئك الذين ظنوا أنهم يربحون من الفوضى.
✍️ أ .أحمد ناصر حميدان
كاتب وباحث يمني