لماذا لا نرى الواقع كما هو في اليمن… حتى حين نظن أننا نفهمه؟
المشكلة في اليمن ليست فقط في تعقيد الواقع
بل في طريقة إدراكه.
نحن لا نعيش واقعًا واحدًا بقدر ما نعيش “روايات” متعددة عنه
وكل طرف لا يكتفي بتفسير الواقع…
بل يسعى لإعادة تشكيل وعي الناس به.
وهنا يصبح السؤال الأهم:
لماذا تنجح هذه الروايات؟
ولماذا يجدها البعض مقنعة إلى حد اليقين
خصوصًا حين تُقدَّم بوصفها “تفويضًا من السماء” لا مجرد اجتهاد بشري؟
1. المشكلة ليست فقط في الخطاب… بل في من يستقبله
ليس كل اليمنيين يرون الواقع بالطريقة نفسها
لأن شروط الحياة نفسها مختلفة.
هناك فرق بين:
إنسان يملك حدًا أدنى من الاستقرار والخيارات
وآخر محاصر بالفقر، والخوف، وغياب الأفق
في الحالة الثانية لا يبحث الإنسان عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الطمأنينة
عن إجابة سريعة تفسّر كل شيء
عن يقين يخفف القلق
هنا يتحول الخطاب—مهما كان بسيطًا أو حتى متناقضًا—إلى ملاذ نفسي
لا لأنه مقنع بالضرورة… بل لأنه مريح
2. كيف يتحول التكرار إلى “حقيقة”؟
في اليمن لا تُفرض الأفكار بالقوة فقط… بل تُزرع بالتكرار
الفكرة لا تدخل كحقيقة منذ البداية
بل تمر بمراحل:
تُستغرب → تُتقبل → تُصبح مألوفة → تتحول إلى “مسلمة”
وهكذا، يصبح من الطبيعي أن تسمع:
أن من يحكم “مفوّض إلهيًا”
أن معارضته ليست رأيًا… بل خروجًا عن الحق
أن الواقع القائم قدر لا يُراجع
هذه ليست قناعات وُلدت فجأة
بل نتيجة تطبيع طويل جعل غير الطبيعي يبدو بديهيًا
3. التعليم: البنية الصامتة التي تصنع الإدراك
إذا كان الإعلام يصنع المواقف… فالتعليم يصنع ما قبل المواقف
في كثير من السياقات اليمنية، لا يُطرح التعليم كأداة لتحرير التفكير
بل كأداة لإعادة إنتاجه
ليس الخطر في المعلومات المقدمة
بل في “المسلّمات” التي تُزرع دون نقاش، مثل:
من يملك الحقيقة
من يحق له الحكم
ما حدود النقد
وما الذي يجب أن يُقبل دون سؤال
وهنا تتشكل علاقة غير متوازنة بين الفرد والسلطة
علاقة تقوم على التلقي… لا على الفهم
4. قوالب جاهزة تفسّر كل شيء
المشكلة ليست في وجود خطاب… بل في وجود قوالب إدراكية جاهزة تُفسَّر عبرها كل الأحداث
في الواقع اليمني، تتكرر أنماط مثل:
المعارضة = خيانة
النقد = استهداف
الدولة (أو الجماعة الحاكمة) = جهة لا تُخطئ
الاستقرار = الصمت
هذه القوالب تختصر التفكير
فلا يعود الفرد بحاجة لتحليل كل حدث
يكفي أن يضعه داخل القالب… ليحصل على “تفسير جاهز”
5. حين يُقدَّم الحكم كحق إلهي
أخطر ما في بعض الخطابات ليس قوتها السياسية…
بل قداستها
حين يُقال للناس إن الحاكم أو الجماعة:
لا تمثل رأيًا سياسيًا
بل إرادة إلهية
فإن أي اعتراض يتحول تلقائيًا إلى:
اعتراض على الدين… لا على السياسة
وهنا يُغلق باب النقاش من أساسه
لأنك لم تعد تختلف مع بشر… بل مع “تصور مقدس”
6. لماذا لا يكفي الوعي وحده؟
الطرح النظري يقول:
“افهم… تتحرر”
لكن الواقع اليمني أكثر تعقيدًا
الوعي قد يعني:
العزلة عن المجتمع
الاصطدام بالبيئة
تحمّل كلفة اجتماعية أو حتى أمنية
لهذا كثير من الناس لا يتمسكون بالرواية السائدة لأنهم مقتنعون بها تمامًا
بل لأن الخروج عنها مكلف
7. أين تكمن المشكلة فعليًا؟
المشكلة ليست في طرف واحد
ليست فقط في:
الخطاب الذي يُصنع
ولا فقط في:
الناس الذين يتلقونه
بل في تفاعل ثلاثي:
بنية سلطة تنتج رواية
واقع اجتماعي يحتاجها
وعي فردي يعيد تفسيرها ويمنحها حياة
لهذا نفس الفكرة قد تُقنع شخصًا… وتُرفض من آخر
ليس لأن أحدهما أذكى
بل لأن موقعه في هذه المعادلة مختلف
الخلاصة
في اليمن لا نُخدع فقط لأن هناك من يحاول خداعنا
بل لأن داخلنا ما يبحث—أحيانًا—عن هذا الخداع
نبحث عن اليقين حين يضيق الأفق
نقبل المألوف حتى لو كان خاطئًا
ونتجنب الأسئلة حين تكون كلفتها عالية
لهذا، المشكلة الأعمق ليست في غياب الحقيقة
بل في الطريقة التي نُدرَّب بها—بهدوء—على ألا نراها كما هي.
* أ. حميد القهالي
كاتب وباحث يمني