الحراك يعود إلى شوارع فرنسا وسط مخاوف على الحريات
الرأي الثالث - وكالات
تعود الاحتجاجات إلى شوارع فرنسا، اليوم السبت، للأسبوع الثالث على التوالي، بدعوة من تنسيقية "السترات الصفراء" ونقابات عمّالية ومنظمات تمثّل طلاب الجامعات في فرنسا وتلاميذ الثانويات
بعدما اتسع الحراك الذي بدأ في المؤسسات التعليمية قبل أكثر من شهر ليشمل شرائح اجتماعية تطالب بتحسين الأجور والخدمات العامة ووضع حد لغلاء المعيشة.
وتترافق جولة التظاهرات هذه مع تزايد الانتقادات السياسية والحقوقية والأممية للنهج الأمني الذي تتمسّك به الحكومة، والتحذيرات من المساس بحق التظاهر، في ظل استمرار السلطات في منع تجمعات وفرض حظر تجول وإبعاد المسيرات عن مراكز المدن.
حظر تجوّل جزئي في باريس
وأعلنت السلطات الفرنسية بدء سريان حظر تجول جزئي في العاصمة باريس، اعتباراً من اليوم السبت وحتى 2 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، على خلفية الاحتجاجات المرتقبة.
وأفادت مديرية شرطة باريس، في بيان، بأن حظر التجول يُطبَّق يومياً بين الساعة الحادية عشرة ليلاً والسادسة صباحاً بالتوقيت المحلي، في منطقتي ساحة الجمهورية وهال.
ويأتي القرار تحسباً لاحتمال وقوع أعمال عنف ونهب خلال الاحتجاجات المرتقبة، فيما حظرت السلطات تنظيم المظاهرة التي كانت مقررة إقامتها اليوم بين ساحتي الباستيل والكونكورد، بدعوى أنها قد تشكل خطراً على النظام العام.
وأوضحت السلطات أنه يُسمح بتنظيم المظاهرة بين بوابتي بانيوليه وشارنتون، من الساعة 12 ظهراً حتى السادسة مساءً.
في المقابل، أعرب ممثلو النقابات العمالية والطلابية، خلال مؤتمر صحافي مشترك في باريس، عن رفضهم تغيير مسار المظاهرة، معتبرين أن القرار يشكل تقييداً لحق التظاهر والتجمع.
إجراءات أمنية مكثفة
و عمّا إذا كانت فرنسا تشهد منعطفاً أمنياً منذ احتجاجات 17 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، التي رافقتها مواجهات وأعمال نهب وتخريب في مدن عديدة، تقول رئيسة "رابطة حقوق الإنسان" ناتالي تيهيو إن هذا المنعطف "قائم منذ مدة، لكنه بات الآن أكثر وضوحاً".
وتربط الحقوقية بين إبعاد المسيرات عن مراكز المدن ورغبة السلطات في ألّا تُسمع مطالب المحتجين، معتبرة أنها تسعى إلى حجب التظاهرات عن الأنظار و"نزع الطابع السياسي عنها".
وخلال مؤتمر صحافي خصّصه الخميس الماضي للإجراءات الأمنية التي سترافق تظاهرات اليوم، أعلن وزير الداخلية لوران نونيز نشر 70 ألف شرطي ودركي، والاستعانة بوحدات تدخّل خاصة وعربات مصفّحة ومروحيات ومسيّرات،
متوعّداً بالتعامل بـ"حزم شديد" مع أي تجاوزات قد تحصل. وقال إن المحافظين، الذين يمثّلون الحكومة في الأقاليم ويشرفون على الأمن فيها، سيسمحون بخروج تظاهرات على أطراف المدن، بعيداً عن مراكزها التي تعتبرها السلطات عرضة للاضطرابات، لكنه نفى أن تكون في ذلك "أي عرقلة" لحق التظاهر.
وتوقّع وزير الداخلية الفرنسي أن يقارب حجم المشاركة اليوم ما شهدته البلاد السبت الماضي، حيث خرج 410 آلاف متظاهر إلى الشوارع بحسب الداخلية، مقابل 800 ألف بحسب النقابات.
ويراهن الداعون إلى احتجاجات اليوم على مشاركة واسعة، تمهيداً للإضراب الذي دعت إليه النقابات في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، لزيادة الضغط على الحكومة، وسط احتقان اجتماعي يغذّيه الغضب من تدهور المعيشة، قبل أقل من ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية.
وحذّر نونيز من دعوات أطلقها، بحسب قوله، "أقصى اليسار" وشبكات متشددة من "السترات الصفراء" للتجمع في مدن عديدة قرابة الثامنة مساءً، بالتزامن مع الاحتفالات بعيد هالووين. واتهم أصحابها بالدعوة إلى "الثورة والتمرّد" والنهب والتخريب
معتبراً أن غايتهم ليست الاحتجاج أو الاحتفال، ومتوعّداً بمنع هذه التجمعات وتفريقها وتوقيف البعض إن احتاج الأمر.
وفي باريس، رفضت قيادة الشرطة طلب النقابات تنظيم مظاهرة اليوم بين ساحتَي باستيّ وناسيون داخل المدينة، واقترحت بدلاً من ذلك مساراً على أطراف باريس الشرقية، على بعد عدة كيلومترات من وسط العاصمة ومقارّ السلطة والشوارع التجارية الرئيسية.
كما منعت الشرطة التجمعات غير المصرّح بها في قطاعات واسعة من العاصمة حتى صباح الإثنين المقبل، وأعادت فرض حظر التجول الليلي في بعض المناطق على القصّر غير المصحوبين بأحد أوليائهم.
حجب منصات التواصل في فرنسا
وكانت الحكومة الفرنسية قد طلبت أيضاً من شركات الاتصالات الاستعداد لحجب منصات تواصل في حال تجدد العنف، وفق رسالة وجّهها إليها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو وكشف عنها موقع "بلاست" السبت الماضي.
وأقرّ الرئيس إيمانويل ماكرون، الأربعاء، بأن لوكورنو أجرى "مناقشات" حول هذا الموضوع، من دون توضيح مضمونها أو تأكيد طلب الحجب.
ورغم أن السلطات لم تقم بحجب المنصات، فإن تيهيو تنتقد الضغط على الشركات للقيام بذلك من دون إطار قانوني واضح، وتعتبره محاولة لتقييد حرية التعبير وحرية تداول المعلومات.
ودعا ماكرون، في مقابلة مع قناة "هوغو ديكريبت" على يوتيوب، الأربعاء الماضي، إلى عودة التلاميذ إلى ثانوياتهم الاثنين المقبل واستكمال دروسهم بعد عطلة الخريف،
معتبراً أن مطالبهم قد "سُمعت". ولدى سؤاله عن وقوع إصابات خطيرة بين المتظاهرين، عبّر عن تعاطفه معهم، لكنه ذكّر بإصابة عناصر شرطة أيضاً،
ودعا إلى "الهدوء من الجانبين". ودافع أيضاً عن قرار السلطات إبعاد التظاهرات إلى أطراف المدن، قائلاً إن ذلك سمح بـ"إنقاذ كثير من مراكز المدن" خلال احتجاجات السبت الماضي.
من جهتها، تربط تيهيو تراجع العنف في احتجاجات السبت الماضي بتغيير الشرطة طريقة تعاملها مع المتظاهرين، وبقائها على مسافة منهم.
وتذكّر الحقوقية بأن الشرطة كانت قد أطلقت الغاز المسيل للدموع في تظاهرات 17 أكتوبر على أشخاص "سلميين تماماً"، وطوّقت حشوداً مع ترك مخرج واحد تعذّر على المشاركين الخروج منه بسهولة، ما ولّد توتراً وغضباً سهّلا وقوع أعمال تخريب بعد ذلك.
وكانت تظاهرة باريس في 17 أكتوبر قد شهدت وفاة متظاهر في الـ59 من العمر قرب ساحة الجمهورية، بعدما تعرّض، بحسب شكوى عائلته، لكميات كبيرة من الغاز المسيل للدموع قبل أن يشكو من الألم ويفقد الوعي.
ويقول المحامي يوري كراسوليا، الذي يمثّل شريكة المتوفى، كريستوف م. "كريستوف تعرّض للغاز، وهذه واقعة، ثم ظهرت عليه اضطرابات وتوفي بعد ذلك. نحن نتساءل عن الآثار المحتملة لهذا الغاز في وفاته"، مطالباً بالتحقيق في أسباب الوفاة وتحديد المسؤوليات عنها.
وكانت النيابة العامة في باريس قد أعلنت، الثلاثاء الماضي، أن التشريح خلص إلى وجود "قصور حاد في وظائف القلب والتنفس مع وجود اعتلال قلبي". لكن المحامي يوضح أن الأسرة لا علم لها بمعاناة المتوفى من مرض قلبي،
كما يستنكر وصول خلاصات التشريح إلى أفراد عائلة كريستوف م. عبر الصحافة، قبل الاطلاع على التقرير، واصفاً ذلك بأنه كان "بالغ القسوة" عليهم.
وتضاف قضية كريستوف م. إلى شكاوى عديدة قدّمها مصابون خلال احتجاجات الأسابيع الماضية أو أهاليهم، ومن بين هذه الحالات مصوّر أُصيب في الشريان الفخذي في تظاهرة باريس نفسها، وفتى بُترت يده في لانس، وآخر في سانت إتيان، وفتاة فقدت إحدى عينيها في مولوز.
وتحقق المفتشية العامة للشرطة في عشرات القضايا المتعلقة باستخدام الشرطة العنف ضد المتظاهرين، ووصلت الشكاوى إلى وزير الداخلية نفسه، بعد قراره إعادة السماح باستخدام قنابل صوتية سبق له أن علّق استخدامها.
وامتدت الانتقادات لاستخدام الشرطة العنف ضد المتظاهرين من الأحزاب اليسارية والنقابات والجمعيات الفرنسية إلى منظمات حقوقية دولية،
مثل العفو الدولية و"هيومن رايتس ووتش"، وصولاً إلى أربعة مقرّرين خاصين للأمم المتحدة طالبوا، الأربعاء، السلطات بمراجعة أساليب "حفظ النظام" التي تنتهجها.
ووصف المقرّرون، في بيان، الإصابات الخطيرة التي لحقت بقصّر وخلّف بعضها عاهات دائمة بأنها "غير مقبولة ولا يمكن تبريرها"
وشدّدوا على ضرورة أن ترافق التحقيقات تعليمات واضحة لقوات الأمن، وموقف سياسي يدين عنف الشرطة. ومع إدانتهم الاعتداءات على عناصر الأمن وتخريب الممتلكات، أعربوا عن قلقهم من العدد الكبير للموقوفين والمحتجزين
معتبرين أنه لا يبدو متناسباً مع حجم المخالفات، ومحذّرين من أن يتسبب الخوف من الاعتقال في امتناع الناس عن التظاهر.
وتواصل الحكومة تحميل "أقصى اليسار" مسؤولية العنف الذي تشهده المدن الفرنسية خلال الاحتجاجات، كما تلتقي و"التجمع الوطني" اليميني المتطرف وأحزاب اليمين في اتهام حزب "فرنسا الأبية" بتشجيع الفوضى.
لكن المدّعية العامة في باريس لور بيكو رفضت تأكيد انتماء الموقوفين إلى "أقصى اليسار"، وقالت، في مقابلة تلفزيونية أجريت معها في 19 أكتوبر: "ليس هذا إطلاقاً ما أستطيع تأكيده في ضوء المعلومات المتاحة لديّ".
وكان موقع "ميديابارت" قد نشر، في اليوم نفسه، مراسلات قال فيها مسؤول في جهاز الاستخبارات الإقليمية إنه طُلب منهم أن يكتبوا أن "فرنسا الأبية" تقف وراء الحراك، وهو ما وصفه بأنه غير صحيح بحسب تقييم زملائه في الجهاز، بينما نفت وزارة الداخلية إعطاء تعليمات كهذه.
وفي تظاهرات السبت الماضي، تعرّض محتجون أيضاً لاعتداءات من مجموعات يمينية متطرفة دعت إلى النزول للشوارع بذريعة حماية المتاجر من النهب، وظهر أفراد منها ملثّمين، فيما حمل بعضهم عصياً وارتدوا شارات بيضاء على أذرعهم تميّزهم عن المتظاهرين.
وأظهرت تسجيلات صُوّرت في مدن عدة هجمات لأفراد من هذه المجموعات على متظاهرين أمام أعين قوات الأمن، قبل أن يغادروا أو يعودوا للاحتماء خلفها من دون توقيفهم. واتهم حزب "فرنسا الأبية" الشرطة بحماية هذه المجموعات،
لكن وزير الداخلية نفى، الأربعاء، أي تساهل معهم، مؤكداً اتخاذ إجراءات قضائية بشأن اعتداءاتهم، بعدما كان قد أقرّ بمعرفة الأجهزة الأمنية مسبقاً بدعواتهم من أجل النزول إلى الشارع.