قمة العلمين في مواجهة التصعيد الإثيوبي: النيل والبحر الأحمر
الرأي الثالث - وكالات
حملت قمة العلمين الرباعية بين مصر والسودان وإريتريا والصومال، رسائل سياسية مباشرة بشأن احترام سيادة دول المنطقة ووحدة أراضيها، ورفض التدخلات في شؤونها الداخلية، إلى جانب التشديد على الالتزام بالقانون الدولي في إدارة الأنهار العابرة للحدود، ورفض أي إجراءات أحادية من شأنها الإضرار بالاستخدامات المائية لدولتي مصب النيل.
كما أكدت الدول الأربع أن أمن البحر الأحمر وحوكمته مسؤولية الدول المشاطئة، وأنها ترفض أي ترتيبات تمس سيادة دول المنطقة أو استقرارها.
يأتي ذلك في توقيت تشهد فيه منطقة القرن الأفريقي تصعيداً متزايداً، خصوصاً بين إثيوبيا وإريتريا، إلى جانب استمرار الخلاف حول سد النهضة، ومساعي أديس أبابا لتثبيت دور لها في ترتيبات البحر الأحمر.
ورغم عدم تسمية إثيوبيا في إعلان قمة العلمين فإن تزامن التشديد على هذه المبادئ مع القضايا التي ترتبط مباشرة بأديس أبابا حمل رسائل واضحة بشأن الملفات محل الخلاف في المنطقة.
قمة العلمين تدعو إلى احترام سيادة الدول
ونص إعلان قمة العلمين على استمرار التشاور والتنسيق بين الدول الأربع، وتعزيز التعاون بينها، مع تأكيد أن مبادئ القانون الدولي تمثل أساساً للاستقرار والتعاون الإقليمي، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول واستقلالها ووحدة أراضيها وحسن الجوار.
كما رفض القادة أي إجراءات أحادية تضر بالاستخدامات المائية لدولتي مصب النيل، وأكدوا أهمية التعاون بين دول حوض النيل بما يحقق مصالح جميع الأطراف.
وفي ملف البحر الأحمر، شدد قادة الدول الأربع، رؤساء مصر عبد الفتاح السيسي وإريتريا أسياس أفورقي والصومال حسن شيخ محمود ورئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان، على أن حوكمته وأمنه مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، مع تأكيد حرية الملاحة والتجارة الدولية، ورفض أي محاولات للمساس بسيادة دول المنطقة أو تغيير أوضاعها القائمة.
كما أكدوا دعم وحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه، ورفض أي اعتراف بكيانات انفصالية داخله، في رسالة تتقاطع مع الخلاف الإثيوبي – الصومالي حول ترتيبات الوصول إلى البحر.
ومن جهة أخرى، أكد إعلان قمة العلمين دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، ورفض إنشاء كيانات موازية أو أي محاولات لتقسيمه، إلى جانب رفض دعم المليشيات والمرتزقة، بما يعكس اهتمام الدول الأربع بمنع انتقال تداعيات الأزمة السودانية إلى المجال الأوسع للقرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وتكتسب هذه الرسائل أهمية أكبر في ضوء التطورات الأخيرة داخل إثيوبيا والتوتر مع إريتريا، إلى جانب استمرار الخلاف حول سد النهضة. فالقمة لم تعلن قيام تحالف ضد أديس أبابا، لكنها أرسلت، عبر التشديد على القانون الدولي وسيادة الدول ورفض الإجراءات الأحادية، رسائل تتصل مباشرة بأبرز الملفات التي تتحرك فيها إثيوبيا إقليمياً.
وفي المقابل، جاء البيان الإثيوبي ليؤكد أن أديس أبابا لا تنظر إلى هذه الملفات باعتبارها قضايا منفصلة، وإنما تربط بين موقعها دولة منبع للنيل ومصالحها التي تراها مشروعة في البحر الأحمر،
وهو ما يضع النيل والبحر الأحمر في صلب التجاذب المتصاعد حول شكل النظام الإقليمي في القرن الأفريقي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقال الخلاف إلى مواجهة مباشرة بين الأطراف المعنية.
ردّ مصري على إثيوبيا
وفي ردّ غير رسمي على بيان لوزارة الخارجية الإثيوبية، أمس الاثنين، قال مصدر دبلوماسي مصري، إن القاهرة لا تهدد جيرانها ولا تنجر إلى سجالات أو معارك كلامية مع أحد،
مؤكداً تمسكها بمبادئ القانون الدولي في التعامل مع جميع القضايا، بما فيها أزمة نهر النيل مع إثيوبيا.
وأوضح المصدر أن العرف المستقر في القانون الدولي يقضي بأن الأنهار الدولية العابرة للحدود ليست ملكاً لدولة المنبع، ومن ثم تتمسك مصر بحقها الطبيعي في مياه النيل وبضرورة إدارة الموارد المائية المشتركة وفق قواعد القانون الدولي والاتفاقات ذات الصلة، بعيداً عن الإجراءات الأحادية وفرض الأمر الواقع.
وشدد على أن مصر تتمسك كذلك بمصالحها الحيوية في البحر الأحمر، وستواجه أي محاولات لزعزعة الاستقرار في البحر الأحمر والقرن الأفريقي بكل السبل والوسائل القانونية المتاحة،
مؤكداً، في الوقت ذاته، أن القاهرة لا تتدخل في شؤون الدول الأخرى ولا تستهدف مصالحها المشروعة.
جاء ذلك رداً على بيان للخارجية الإثيوبية ربط بين النيل والبحر الأحمر، مؤكداً أن إثيوبيا هي المنبع الأساسي للنيل الأزرق، الذي قالت أديس أبابا إنه يساهم بنحو 85% من إجمالي تدفق مياه النيل، ومشدداً على أن أي نقاش بشأن إدارة واستغلال مياه النهر يجب أن ينطلق من هذه الحقيقة.
وفي ما يتعلق بالبحر الأحمر، أكدت الخارجية الإثيوبية أن لإثيوبيا ارتباطاً جغرافياً وتاريخياً بالمنطقة، رغم تغير الحدود السياسية، مشيرة إلى أن أقرب نقطة حدودية لها تبعد نحو 30 ميلاً عن الساحل.
وقالت إن أي نقاش جاد بشأن الشؤون البحرية أو "معمارية الأمن الإقليمي" يجب أن يأخذ في الاعتبار المصالح الإثيوبية، محذرة من محاولات زعزعة الاستقرار، ومؤكدة استعدادها للدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها ومصالحها الوطنية، مع تمسكها بالحوار الإقليمي.
وتشير صياغة البيان الإثيوبي إلى أن أديس أبابا قرأت مخرجات قمة العلمين في ضوء مصالحها في ملفي النيل والبحر الأحمر، خصوصاً أن الإعلان الرباعي جمع في وثيقة واحدة بين التشديد على حقوق دولتي المصب في النيل، والتأكيد على مسؤولية الدول المشاطئة عن أمن البحر الأحمر، ودعم وحدة الصومال وسيادته.
أهمية قمة العلمين
في هذا السياق، رأى السفير حسام عيسى، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق ومدير إدارة السودان وجنوب السودان سابقاً، أن أهمية قمة العلمين لا تكمن فقط في مخرجاتها المعلنة، وإنما في استمرار التشاور بين مصر وإريتريا والسودان والصومال في منطقة تتداخل فيها الأزمات الداخلية مع الأمن الإقليمي.
وقال عيسى، إن التطورات الجارية في إثيوبيا والقرن الأفريقي وجنوب البحر الأحمر تجعل التنسيق بين الدول الأربع أمراً ضرورياً، خصوصاً أن أي تصعيد داخل دولة من دول المنطقة يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز حدودها.
ورأى أن التحرك المصري لا يستهدف دولة بعينها بقدر ما يستهدف منع انتقال الأزمات وتوسّعها، والحفاظ على قدر من الاستقرار في منطقة لا تحتمل مزيداً من الصراعات.
وأضاف أن اضطراب القرن الأفريقي يمكن أن ينعكس على أمن الملاحة والتجارة والممرات البحرية، ولذلك فإن استمرار آلية التشاور بين الدول الأربع يحمل رسالة إلى الأطراف الإقليمية والدولية بضرورة احتواء التصعيد والعودة إلى الحلول السياسية.
من جهته، رأى محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أن القاهرة والدول المتحالفة معها في هذه الملفات تمتلك أدوات سياسية ودبلوماسية وإقليمية يمكن استخدامها لتثبيت قواعد القانون الدولي، من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إثيوبيا.
وأشار حجازي، إلى أن حاجة إثيوبيا إلى منفذ تجاري على البحر الأحمر يمكن التعامل معها من خلال اتفاقات مع دول الجوار، بما يتيح لها الاستفادة الاقتصادية والتجارية من الموانئ والممرات البحرية، من دون أن يتحول الأمر إلى وجود يمس سيادة الدول أو إلى ترتيبات عسكرية تزيد من التوتر الإقليمي.
ورأى أن أمن البحر الأحمر يمثل مصلحة دولية أيضاً، وليس فقط مسألة تخص دول المنطقة، في ظل ارتباطه بحركة التجارة العالمية وباب المندب،
وبالتالي فإن مصر مطالبة بتعزيز اتصالاتها مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية والقوى الدولية المعنية بأمن الملاحة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على شبكة علاقات واسعة وعدم ربط الأمن الإقليمي بقوة دولية واحدة.
وأكد أن وجود علاقات استراتيجية بين واشنطن وأديس أبابا لا يعني بالضرورة تبني الولايات المتحدة لجميع المواقف الإثيوبية، مشيراً إلى أن القاهرة تستطيع توظيف مصالح القوى الدولية في استقرار البحر الأحمر والقرن الأفريقي لدعم مسار يقوم على القانون الدولي والتفاهمات الإقليمية.