أفراح الزوبة.. مهندسة الحوار والتنمية على راس الدبلوماسية اليمنية
الرأي الثالث - متابعات
عندما صدر القرار الجمهوري في اليمن، الخميس، بتعيين الدكتورة أفراح عبد العزيز الزوبة وزيرةً للخارجية وشؤون المغتربين، لم يكن الحدث مجرد تعديل وزاري في حكومة رئيس الوزراء شائع الزنداني، بل محطة غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية اليمنية.
فالزوبة أصبحت أول امرأة تتولى حقيبة الخارجية منذ قيام ثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962، لتكسر أحد أكثر الأسقف السياسية صلابة، في بلد ظل العمل الدبلوماسي فيه حكراً على الرجال طوال العقود الماضية.
يأتي تعيين الزوبة تتويجاً لمسار مهني امتد لأكثر من ربع قرن بين التنمية وبناء السلام والإدارة العامة، وهو مسار جعل اسمها حاضراً في كثير من المحطات المفصلية التي شهدها اليمن خلال العقدين الأخيرين، من برامج مكافحة الفقر والتنمية المحلية، مروراً بمؤتمر الحوار الوطني الشامل، وصولاً إلى إدارة ملفات التعاون الدولي واستيعاب تعهدات المانحين.
مسيرة مهنية حافلة
وتنتمي الزوبة - التي تعود أصولها إلى محافظة البيضاء وسط اليمن - إلى جيل من التكنوقراط اليمنيين الذين برزوا بعيداً عن الاصطفافات الحزبية التقليدية. وتصف نفسها مستقلةً سياسياً، فيما تركزت معظم مسيرتها المهنية في مجالات التنمية والحوكمة وبناء المؤسسات.
وبفضل هذا المسار، اكتسبت سمعة بصفتها خبيرة في إدارة البرامج التنموية والتنسيق مع المؤسسات الدولية، أكثر من كونها شخصية سياسية تقليدية.
بدأت رحلة الزوبة المهنية من القطاع التنموي، حيث عملت سنوات في منظمة "سول للتنمية"، إحدى أبرز منظمات المجتمع المدني اليمنية.
هناك، شاركت في إعداد وتنفيذ مشاريع استهدفت الحد من الفقر، وتمكين النساء والشباب، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية في عدد من المحافظات اليمنية،
كما قادت دراسات ميدانية لتقييم احتياجات المجتمعات المحلية، خصوصاً في المناطق الريفية التي عانت من ضعف الخدمات التنموية.
لاحقاً، انتقلت إلى العمل مع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، حيث تولت مهام مرتبطة بالحوكمة والديمقراطية، وأشرفت على برامج تستهدف تعزيز مشاركة الشباب والنساء في الحياة العامة، ودعم مبادرات الحدّ من النزاعات،
إضافة إلى مشاريع مرتبطة بالعملية الانتخابية والتحول السياسي الذي شهدته البلاد بعد عام 2011. لكن التحول الأبرز في مسيرتها جاء مع المرحلة الانتقالية التي أعقبت الاحتجاجات الشعبية في اليمن.
فقد برز اسمها داخل مؤتمر الحوار الوطني الشامل، الذي انعقد بين 18 مارس/ آذار 2013 و25 يناير/ كانون الثاني 2014 باعتباره أبرز محاولة لصياغة عقد اجتماعي جديد بين القوى اليمنية.
شغلت الزوبة منصب النائب الأول للأمين العام للمؤتمر، وكانت من الشخصيات التي عملت خلف الكواليس على إدارة العملية التنظيمية والفنية للحوار.
ويتذكر مشاركون في الحوار الوطني دورها في تنسيق أعمال الفرق المختلفة، والإشراف على إعداد وتجميع وصياغة الوثيقة النهائية لمخرجات المؤتمر، التي ما زالت حتى اليوم تمثل مرجعاً رئيسياً في النقاشات المتعلقة بمستقبل الدولة اليمنية.
كما شاركت في لجنة صياغة الدستور التي حاولت تحويل تلك المخرجات إلى نص دستوري جديد قبل أن تتعثر العملية السياسية مع اندلاع الحرب.
لم تقتصر مساهمتها على المسار الرسمي. ففي سنوات الحرب، انخرطت الزوبة في عدد من مبادرات "المسار الثاني" للسلام، وشاركت في إعداد أوراق سياسات ومقترحات تتعلق بإنهاء النزاع وإعادة بناء الدولة.
كما كانت ضمن وفد نسائي يمني دُعي من قبل مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن للمشاركة في مشاورات الكويت عام 2016، في محاولة لإشراك النساء في جهود التسوية السياسية.
هذا المزيج بين الخبرة التنموية والسياسية والدولية جعلها لاحقاً من أبرز الأسماء في ملفات التعاون الدولي.
فقد تولت قيادة الجهاز التنفيذي لتسريع استيعاب تعهدات المانحين ودعم تنفيذ سياسات الإصلاح، وهو جهاز معني بتنسيق العلاقة بين الحكومة اليمنية والجهات المانحة الدولية.
ومن خلال هذا المنصب، أدارت عمليات تنسيق مع مؤسسات كبرى مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، وأشرفت على برامج إصلاح مؤسسي وتمويل تنموي بمئات ملايين الدولارات.
كما عملت مستشارة لرئيس الوزراء في ملفات الإغاثة الإنسانية والتنمية، قبل أن تُعيَّن وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي في الحكومة التي شُكلت مطلع عام 2026.
وخلال فترة قصيرة في الوزارة، واصلت إدارة ملفات الشراكة مع المانحين وبرامج التعافي الاقتصادي في بلد يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم.
أكاديمياً، تحمل الزوبة تكويناً متعدد التخصصات؛ فهي حاصلة على بكالوريوس في الصيدلة من جامعة صنعاء، وشهادة ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة العلوم والتكنولوجيا،
إضافة إلى ماجستير في صحة المجتمع والاقتصاد الصحي من الجامعة الوطنية في ماليزيا. هذا التنوع بين العلوم الصحية والإدارة والتنمية انعكس على طبيعة مسيرتها المهنية التي جمعت بين العمل الميداني والإدارة الاستراتيجية.
اليوم، تنتقل أفراح الزوبة إلى واحدة من أكثر الوزارات حساسية في اليمن. فوزارة الخارجية لا تدير العلاقات الثنائية فحسب، بل تقف في قلب ملفات الحرب والسلام، والعلاقة مع الأمم المتحدة، والتواصل مع الدول الداعمة للحكومة، ومتابعة أوضاع ملايين اليمنيين في الخارج.
ورغم أن تعيينها يحمل بعداً رمزياً مهماً بوصفها أول امرأة تتولى المنصب، فإن التحدي الحقيقي أمامها سيكون ترجمة خبرتها الطويلة في التفاوض وبناء الشراكات إلى أداء دبلوماسي قادر على التعامل مع مرحلة معقدة من تاريخ اليمن.
وبين رمزية الاختراق النسائي ومتطلبات السياسة الخارجية، تبدأ الزوبة فصلاً جديداً في مسيرتها المهنية، وفصلاً جديداً أيضاً في تاريخ الدبلوماسية اليمنية.
فخر العزب
صحافي يمني