ضغوط قانونية وعقوبات تهز نفوذه.. ما وراء تصعيد "الانتقالي المنحل"؟
الرأي الثالث
مثّل خروج أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي "المنحل" إلى شوارع عدن والمكلا وسيئون جنوب اليمن خلال الأيام الماضية، مؤشراً على دخول الصراع بين الحكومة اليمنية وقيادات المجلس مرحلة جديدة.
فبعد نحو ستة أشهر من إعلان حلّ المجلس وإقصاء قياداته من المشهد الرسمي، عاد التصعيد إلى الواجهة بصورة مفاجئة، لكن هذه المرة عبر مسارات سياسية وقانونية ومالية ودولية متزامنة.
ويأتي هذا التطور في لحظة تشهد فيها الساحة اليمنية إعادة ترتيب واسعة لموازين القوى في المحافظات المحررة، بالتوازي مع جهود إقليمية تقودها السعودية لتوحيد المكونات الجنوبية وإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية تحت مظلة الدولة، الأمر الذي يفسر جانباً مهماً من دوافع التصعيد الأخير.
ضغوط متراكمة
وبدأت الأزمة الحالية تتخذ منحى تصاعدياً منذ منتصف يونيو الجاري، عندما طالبت الحكومة اليمنية مجلس الأمن بإدراج عيدروس الزبيدي على قائمة العقوبات الدولية باعتباره منخرطاً في أعمال تقويض مؤسسات الدولة وعرقلة العملية السياسية.
كما ذكرت الحكومة الزبيدي خلال إحاطة رسمية أمام مجلس الأمن، مؤكدة أنه يواجه اتهامات تتعلق بـ"الخيانة العظمى" وأعمال التمرد وتقويض مؤسسات الدولة.
ولم يكن هذا التحرك معزولاً عن سلسلة إجراءات اتخذتها السلطات اليمنية خلال الأشهر الماضية، بدأت بإسقاط عضوية الزبيدي من مجلس القيادة الرئاسي في يناير الماضي وإحالته إلى القضاء، وصولاً إلى مطالبات بتحديث قائمة العقوبات الأممية لتشمل شخصيات وكيانات متهمة بفرض وقائع سياسية وعسكرية بالقوة.
وتنظر الحكومة إلى هذه الخطوات باعتبارها جزءاً من مسار استعادة مؤسسات الدولة ومنع تكرار محاولات فرض مشاريع انفصالية بالقوة، بينما يعتبرها المجلس استهدافاً سياسياً مباشراً لقياداته ومشروعه.
معركة قانونية
ما جعل التصعيد أكثر حساسية هو انتقاله من المجال السياسي إلى المجال القانوني والمالي، ففي 17 يونيو، أصدر النائب العام قراراً بالحجز التحفظي على الأموال والحسابات المصرفية العائدة للمجلس الانتقالي المنحل، في إطار تحقيقات تتعلق بالمال العام وغسل الأموال، وفق ما أوردته مصادر يمنية.
كما تضمن القرار منع أي تصرف بالأموال المشمولة بالحجز إلى حين استكمال التحقيقات القضائية، ما دفع المجلس للرد واعتبار القرار جزء من حملة سياسية تستهدف إضعافه.
وأكدت الدائرة المالية التابعة للقوات الجنوبية التابعة للانتقالي أن الـ14 مليار ريال (قرابة 60 مليون دولار)، مودعة في أحد البنوك ليست أموالاً خاصة بالمجلس، وإنما مخصصات تغذية لقواته العسكرية لم تُصرف منذ أواخر 2025.
ويعتقد مراقبون أن انتقال المواجهة إلى الملفات المالية يمثل محاولة حكومية لتجفيف مصادر النفوذ التي حافظت على حضور المجلس رغم انهياره السياسي والعسكري، مطلع العام الجاري.
استهداف السعودية
اللافت في التصعيد الأخير لم يكن فقط الهجوم على الحكومة اليمنية، بل انتقال المجلس إلى مهاجمة السعودية بصورة غير مسبوقة، وهي التي ترعى حالياً جهوداً لجمع الأطراف الجنوبية من مختلف المشارف لتوحيد موقف والمضي قدماً لإيجاد حل للقضية الجنوبية التي تحولت إلى صداع مزمن.
ففي بياناته الأخيرة اتهم المجلس الرياض بالسعي إلى تمكين الحوثيين في الجنوب، وبالعمل على إضعاف قواته في حضرموت والمهرة، كما دعا المجتمع الدولي إلى إعادة النظر في إدارة السعودية للملف اليمني.
ويمثل هذا التحول تطوراً مهماً إذا ما قورن بالعلاقة التي جمعت الطرفين خلال السنوات الماضية، حين كانت السعودية أحد أبرز الداعمين للقضية الجنوبية، ضمن ترتيبات ما بعد اتفاق الرياض،
إلا أنها تدخلت بشكل حاسم بطلب من الشرعية لردع محاولات المجلس فرض أمر واقع في حضرموت والمهرة ومساعيه لفرض مشروع الانفصال، وهو ما اعتبرته الرياض تهديداً للأمن القومي السعودي.
وبالرغم من الضربات التي تلقاها، خلال الأشهر الماضي، حاول المجلس إظهار أنه لا يزال يمتلك قاعدة شعبية قادرة على الحشد والتأثير،
ففي 20 يونيو، دعا إلى تظاهرات في عدن والمكلا وسيئون تحت شعار "رفض الوصاية ومناهضة الاحتلال"، حيث رفع المشاركون صور الزبيدي ورددوا شعارات مناوئة للحكومة والسعودية.
وجاءت هذه التحركات بعد أيام فقط من انتقال المواجهة إلى مجلس الأمن وإطلاق سلسلة إجراءات قانونية ضد قيادات المجلس، وقد اتهم المجلس القوات الحكومية بقمع التظاهرات واستهداف المشاركين فيها.
لكن أهمية هذه التحركات لا تكمن في حجمها فقط، بل في الرسالة التي أراد المجلس إيصالها، ومفادها أنه ما زال قادراً على الحضور في الشارع الجنوبي رغم إعلان حل نفسه في يناير الماضي وخروجه من المشهد الرسمي.
نتيجة طبيعية
ويرى الباحث اليمني في الشؤون السياسية والاجتماعية الدكتور مصطفى الجبزي أن التصعيد الذي تشهده بعض المحافظات الجنوبية كان متوقعاً إلى حد كبير،
مشيراً إلى أن ردود الفعل الحالية تبدو طبيعية في ظل شعور المشروع الانفصالي بأنه كان على وشك جني ثمار مرحلة من الترهل السياسي، إلى جانب غياب رؤية واضحة لدى بعض الأطراف الإقليمية تجاه الملف اليمني خلال الفترة الماضية.
وقال الجبزي، إن المجلس الانتقالي بدأ منذ سنوات في تقويض مؤسسات الحكومة اليمنية، إلى أن وصل إلى مرحلة اعتقد فيها أنه قادر على حسم الصراع عسكرياً وفرض مشروعه على الأرض،
إلا أن التطورات اللاحقة لم تسر وفق ما كان يتطلع إليه.
وأضاف أن الفترة الممتدة بين ثلاثة وستة أشهر كانت كافية لإعادة ترتيب صفوف المكون الانفصالي، لافتاً إلى أن عملية إعادة الهيكلة الأمنية والعسكرية لم تتم بالسرعة المطلوبة،
كما لم تُتخذ خطوات حاسمة لسحب النفوذ العسكري من القوى التابعة للانتقالي، فضلاً عن أن سياسة الاحتواء التي تم اتباعها قد تفضي في بعض الأحيان إلى نتائج عكسية.
وفي ما يتعلق بالمتغيرات الإقليمية أشار الجبزي إلى أن المزاج الانفصالي في الجنوب شهد تحولاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، إذ انتقل من حالة التقارب مع السعودية إلى خطاب يتسم بقدر كبير من الشعبوية والاندفاع،
معتبراً أن الأطراف الداعمة للمشروع الانفصالي ربما استعادت جزءاً من نفوذها، خصوصاً بعد التحولات التي شهدتها منطقة القرن الأفريقي، وما رافقها من تطورات مرتبطة بالعلاقة بين ما يُعرف بـ"صوماليلاند" و"إسرائيل".
وحول أبعاد المطالبة اليمنية بفرض عقوبات على عيدروس الزبيدي يرى الجبزي أن هذه الخطوة قد تكون مرتبطة بمعطيات تمتلكها الحكومة الشرعية بشأن تحركات ميدانية محتملة للانفصاليين، سواء على المستوى السياسي أو العسكري، ما يجعل التحرك الحكومي بمثابة رد فعل استباقي أو ورقة ضغط تهدف إلى الحد من تلك التحركات.
وأضاف أن هذه الإجراءات قد ترتبط أيضاً بملفات أخرى تتعلق بإدارة الموارد خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الحكومة ترى أن المرحلة الحالية باتت مناسبة لكشف ما لديها من معلومات واتخاذ إجراءات قانونية وسياسية بحق قيادات المجلس الانتقالي.
حوار جنوبي
في خضم هذا التصعيد برزت رسائل مختلفة من داخل المعسكر الجنوبي نفسه، إذ أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي أن الحوار "الجنوبي ـ الجنوبي" الذي يجري الإعداد له في السعودية يمثل المسار الوحيد لتوحيد الموقف الجنوبي ومعالجة الخلافات القائمة
في إشارة إلى وجود توجه إقليمي لإعادة هندسة المشهد السياسي في الجنوب بعيداً عن الصيغة التي مثلها المجلس الانتقالي خلال السنوات الماضية.
وهنا يبرز أحد أهم أسباب التصعيد الحالي؛ إذ يبدو أن المجلس يرى في الترتيبات الجديدة تهديداً مباشراً لدوره التمثيلي، بينما ترى الحكومة وحلفاؤها أن المرحلة المقبلة تتطلب بناء شراكات جنوبية أوسع لا تقوم على هيمنة طرف واحد.
ومع انتقال المواجهة إلى مجلس الأمن، والحديث عن عقوبات دولية محتملة، وإجراءات مالية وقضائية متسارعة، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد خلال الأسابيع المقبلة، خصوصاً إذا مضت الحكومة في مسارها الدولي ضد الزبيدي، أو إذا قرر المجلس ترجمة تهديداته بخطوات ميدانية جديدة.