جولة أوروبية لمظلوم عبدي تثير تساؤلات حول مستقبل "قسد"
الرأي الثالث - وكالات
تتجه الأنظار إلى التحركات الخارجية التي يجريها القائد العام لـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) مظلوم عبدي، في ظل مرحلة سياسية حساسة تشهدها سورية بعد الاتفاق المبرم بين "قسد" والحكومة السورية بشأن مسار الاندماج وإعادة ترتيب الأوضاع الأمنية والعسكرية.
وتأتي زيارة عبدي إلى عدد من العواصم الأوروبية وسط تباين في القراءات السياسية لأهداف هذه الجولة، بين من يراها محاولة لإعادة التموضع السياسي وتعزيز أوراق التفاوض، ومن يعتبرها تحركاً طبيعياً يهدف إلى تحصيل مكاسب إضافية ضمن عملية الاندماج الجارية.
جولة أوروبية بعد لقاءات إقليمية
ووصل القائد العام لـ"قسد" مظلوم عبدي، الأربعاء، إلى إيطاليا في مستهل جولة أوروبية من المقرر أن تشمل فرنسا لاحقاً، حيث سيجري سلسلة لقاءات مع مسؤولين أوروبيين لبحث تطورات الملف السوري والواقع الأمني والسياسي في المنطقة.
وتتضمن أجندة الزيارة ملفات مرتبطة بمستقبل العلاقة بين "قسد" والحكومة السورية، ولا سيما التفاهمات المتعلقة بعملية الاندماج بين الطرفين، في وقت تتواصل فيه النقاشات حول آليات تنفيذ الاتفاقات المبرمة خلال الأشهر الماضية.
وتأتي هذه الجولة بعد اجتماع عُقد الثلاثاء الماضي في أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، جمع عبدي بالمبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى سورية والعراق توم برّاك، إلى جانب رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني.
وتركز الاجتماع على متابعة تطورات الملف السوري، وبحث الخطوات المرتبطة بتنفيذ الاتفاقات القائمة بين "قسد" والحكومة السورية، إضافة إلى مناقشة ملفات الأمن والاستقرار في المنطقة.
وأثارت جولة عبدي الأوروبية نقاشات واسعة بين سوريين ومراقبين بشأن دلالاتها السياسية وتوقيتها، خصوصاً أنها تأتي في مرحلة تشهد إعادة رسم للتوازنات الداخلية بعد الاتفاق الموقع بين "قسد" والحكومة السورية في 29 يناير/ كانون الثاني 2026.
وفي هذا السياق، يرى محمد علاء غانم، وهو قيادي في الجالية السورية الأميركية، أن التطورات التي شهدتها الساحة السورية خلال الفترة الأخيرة، بما في ذلك الضغوط الأميركية التي ساهمت في الوصول إلى الاتفاق،
إضافة إلى انسحاب القوات الأميركية من سورية وما ترتب عليه من تغييرات في موازين القوى، وضعت "قسد" أمام واقع سياسي وعسكري جديد يختلف عن المرحلة السابقة.
ويشير غانم إلى أن قيادات "قسد" تبدو، وفق تقديره، غير متقبلة بالكامل لحجم التحولات التي طرأت على مناطق نفوذها وخسارتها أجزاء واسعة من الجغرافيا التي كانت تخضع لسيطرتها سابقاً،
معتبراً أن استمرار التحركات السياسية الخارجية رغم الإعلان عن الاتفاق وبدء خطوات الاندماج يعكس أن المفاوضات لم تصل إلى نهاياتها بعد.
ويضيف أن الزيارات الأوروبية التي يجريها عبدي يمكن فهمها في إطار محاولة استعادة بعض الحضور السياسي والدبلوماسي لـ"قسد"، عبر التواصل مع الدول الأوروبية وكسب مزيد من الدعم السياسي في هذه المرحلة.
كما يبدي غانم اعتراضه على طبيعة هذه التحركات، معتبراً أن قضايا الدفاع والسياسة الخارجية، حتى في الدول الفيدرالية، تبقى من اختصاص الحكومات المركزية، مستشهداً بتجارب دول أوروبية تعتمد النظام الفيدرالي،
ويرى أن الأولوية بالنسبة لسورية يجب أن تتركز على إنجاح عملية الاندماج وتعزيز الاستقرار الداخلي وتحسين الظروف المعيشية والخدمية للسكان في مختلف المناطق السورية، بما في ذلك مناطق الجزيرة السورية، من خلال دعم الاستثمار وإعادة الإعمار وتطوير قطاعات التعليم والصحة والبيئة.
تعظيم المكاسب
في المقابل، يقدم الباحث السياسي في مركز جسور للدراسات وائل علوان قراءة مختلفة للتحركات الأخيرة لـ"قسد"، إذ لا يرى في الجولة الأوروبية مؤشراً إلى رغبة بالخروج من مسار الاندماج مع الدولة السورية، بقدر ما يعتبرها محاولة لتعظيم المكاسب السياسية التي يمكن تحقيقها ضمن هذا المسار.
ويقول علوان إن قيادة "قسد" ما زالت تسعى إلى تعزيز موقعها التفاوضي والحصول على مزيد من الضمانات والمكتسبات خلال عملية الدمج،
مشيراً إلى أن التنظيم لم يُحلّ رسمياً حتى الآن، الأمر الذي يفسر استمرار بعض التحركات السياسية والدبلوماسية المستقلة التي يقوم بها قادته.
وبحسب علوان، فإن بقاء مظلوم عبدي خارج الأطر الوظيفية الرسمية للحكومة السورية يمنحه هامشاً للتحرك وإجراء لقاءات مع أطراف دولية وإقليمية بهدف حشد الدعم لمطالب "قسد" خلال المرحلة الانتقالية المرتبطة بالاندماج،
ويرى أن هذا السلوك يندرج ضمن عملية تقييم مستمرة تجريها "قسد" لمدى المكاسب التي يمكن تحقيقها من الاتفاق الجاري تنفيذه، معتبراً أن ذلك "يبقى أمراً متوقعاً في هذه المرحلة".
رهان الاستقرار السوري
ورغم تباين التقديرات بشأن أهداف الجولة الأوروبية، يتفق مراقبون على أن نجاح عملية الاندماج بين "قسد" والحكومة السورية يبقى عاملاً أساسياً في تعزيز الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.
فاستمرار حالة عدم الحسم، أو تعثر تنفيذ الاتفاقات المعلنة، قد يبقي المشهد السوري عرضة للهشاشة السياسية والتجاذبات الداخلية المرتبطة بالتوازنات الإقليمية والدولية.
وتأتي جولة مظلوم عبدي الأوروبية في وقت تتداخل فيه الحسابات المحلية مع المتغيرات الإقليمية والدولية المؤثرة في الملف السوري.
وبين من يراها محاولة للالتفاف على مسار الاندماج أو إعادة تعزيز النفوذ السياسي لـ"قسد"، ومن يعتبرها جهداً لتحسين شروط التفاوض ضمن الاتفاق القائم، يبقى مستقبل العلاقة بين "قسد" والحكومة السورية مرتبطاً بمدى قدرة الطرفين على استكمال خطوات الاندماج وتحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات عملية تسهم في ترسيخ الاستقرار على المدى الطويل.