لبنان يواصل مساعيه لتثبيت وقف النار مع إسرائيل رغم التحفظات
الرأي الثالث - وكالات
بين الإنذارات الأمنية والسياسية، يبقى لبنان معلّقاً بالمخاوف من التصعيد الإسرائيلي أو انفجار الوضع الداخلي، في ظلّ استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، ومواصلة حزب الله عملياته بعد إعلانه رفض مضمون اتفاق وقف النار الذي أعلنت عنه الخارجية الأميركية، مع تحذيره من تبعات تطبيقه محلياً،
وأيضاً التشكيك في مدى قدرة الدولة على تنفيذه، ما يبقي احتمال التصعيد العسكري عنواناً أساسياً للمرحلة.
ويبقى الميدان مسيطراً حالياً على المشهد، بينما لا يزال اتفاق وقف النار الذي أعلنت عنه واشنطن فجر الخميس (بتوقيت بيروت)، في ختام الجولة الرابعة من المفاوضات يترنّح.
وقال رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ليل الخميس الجمعة في جلسة للمجلس الوزراء المصغّر للشؤون السياسية الأمنية، إنه لم يتم التوصل لاتفاق مع لبنان حتى الآن، في ظل رفض حزب الله
في السياق، أفادت صحيفة "هآرتس" العبرية، بأن نتنياهو أخبر رؤساء المستوطنات الحدودية، أمس الخميس، بنية إسرائيل عدم الانسحاب من جنوب لبنان في المستقبل القريب، مضيفاً: "ربما نفكّر في ذلك عندما يتم تفكيك حزب الله".
وأردف نتنياهو أن "المنطقة العازلة التي نتحدّث عنها، تمتد من رأس البياضة في لبنان، مروراً بجبل الشيخ، وحتى نهر اليرموك داخل الأراضي السورية". كما زعم نتنياهو، أن إيران ما زالت تسعى لدفع خطة يقوم حزب الله من خلالها بغزو الجليل.
بينما أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أنه يعتقد أن هناك تقدماً يُحرز بين إسرائيل ولبنان.
في المقابل، يتواصل الحراك الدولي، لا سيما العربي على خط قطر والسعودية ومصر، ليس فقط من أجل تثبيت وقف النار، بل للحصول أيضاً على ضمانات بالتزام إسرائيل التي سبق وخرقت آلاف المرّات اتفاق 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024،
ولمحاولة إبقاء الدور العربي على ساحة الحلّ، في ظلّ تأكيد أميركي صريح كما ورد في البيان بأن أي اتفاق بين إسرائيل ولبنان يكون بوساطة أميركية وليس عبر أي مسار منفصل،
ما فُسّر بمحاولات لإبعاد أي طرف فرنسي، دولي، أممي وعربي عن المسار بما في ذلك كل القرارات والمبادرات السابقة، منها القرار 1701، واتفاق نوفمبر 2024، ومبادرة السلام العربية وغيرها.
وبرزت أمس الخميس مواقف الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، بتبنّيهما مضمون الاتفاق، بوصفه "الطريق الأقل كلفة"
بينما كان لرئيس البرلمان نبيه بري، بحسب المعلومات، دور كبير بالسعي إلى منح الأميركيين ضمانات بالتزام حزب الله وقف النار، وقد طلب من قطر أيضاً المساعدة في الضغط من أجل التوصل لاتفاق، وأرسل موفده (علي حسن خليل) إلى الدوحة لهذه الغاية، وحصل من خلال هذا المسار تواصل غير مباشر بين الحزب والرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وبحسب معلومات، وعلى الرغم من أن بري وحزب الله كانا وافقا على وقف إطلاق النار مقدّمةً للانسحاب الإسرائيلي، فإن لرئيس البرلمان تحفظات على بعض بنود النصّ الذي نشرته الخارجية الأميركية، والتعابير المستخدمة، لا سيما لناحية عدم إلزامه إسرائيل بوقف اعتداءاتها، وخلوّه من الإشارة إلى انسحاب الاحتلال من الأراضي اللبنانية.
ومن أبرز العقد التي تحول دون تنفيذ اتفاق وقف النار، خلو النص من ذكر انسحاب إسرائيل أو جدوله الزمني، علماً أن حزب الله وبري كانا وافقا على وقف النار ومن ثم الانسحاب الإسرائيلي شرط وضع جدول زمني له، بعدما كانا يشترطان الخطوتين معاً، إلى جانب عقدة الإبقاء على حرية الحركة للاحتلال، واستمرار شنّ إسرائيل غارات على الجنوب.
وقال عون أمس إنه "فور تلقي الأجوبة من الأطراف الداخلية المعنية، ولا سيما حزب الله، سيتم إبلاغ الجانب الأميركي بالموقف اللبناني ليُبنى على الشيء مقتضاه"
مشيراً إلى أن "الولايات المتحدة الأميركية ستحدّد موعد وآلية تنفيذ وقف إطلاق النار، الذي قد يبدأ بعد 24 ساعة من إبلاغها بالموافقة وتقديم الضمانات اللازمة، فيما سيكون الرئيس الأميركي الضامن المباشر للتنفيذ".
من جهته، قال سلام إن "المفاوضات لم تكن سهلة، ووفدنا واجه فيها تعنّتاً إسرائيلياً، وما نطالب به في هذه المفاوضات ليس جديداً، هو ما قلناه منذ اليوم الأول: انسحاب إسرائيلي كامل من أرضنا، وعودة أهلنا إلى بيوتهم وقراهم بكرامة وأمان، متسلّحين بحقّنا في أرضنا، وبدعم أشقائنا العرب، وبالدعم الدولي، وكذلك بالتفهّم الأميركي".
في الإطار، قالت مصادر حكومية لبنانية، إنّ المساعي الدبلوماسية مستمرّة لتثبيت وقف النار، والسير بالاتفاق لا سيما أنه فرصة قد تكون بمثابة الأخيرة للبنان، وهو مجرد بداية لمراحل مقبلة سيُطرح فيها الكثير من الملفات العالقة.
وأضافت المصادر أن من "لديه أفكار أفضل لتجنيب لبنان المزيد من الدمار والقتل، فليطرحها"، مشيرة إلى أنّ هناك حراكاً قائماً داخلياً وخارجياً، ومحاولات على خطّ حزب الله أيضاً، و"نأمل أن تحقق نتائج سريعة".
واكتفت مصادر مقرّبة من بري بالقول "المرحلة الآن دقيقة للغاية والمطلوب الوحدة، والتعاون، والهدوء، وبري لن يوقف حراكه حتى إيجاد حلّ يخدم لبنان ويحافظ على استقراره الداخلي".
من جانبها، قالت مصادر نيابية في حزب الله، إنه "إلى جانب رفضنا بالشكل التفاوض المباشر، فإن مضمون الاجتماعات مذلّ جداً، وبمثابة استسلام، وتراجع فاضح عن ثوابت كان أعلن رئيسا الجمهورية والحكومة التمسّك بها، فأين الانسحاب الإسرائيلي وموعده وجدوله الزمني؟
وأين إلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها جنوباً، وأين إطلاق سراح الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، وأين إعادة الإعمار؟ أين حقوق لبنان وأين التزامات إسرائيل؟
بينما كلّ ما نراه شروط وخطوات على لبنان القيام بها ومحاولة طرد بيئة المقاومة من أرضها وتفكيك حزب الله والمقاومة".
وأشارت المصادر إلى أن "موضوع المنطقة التجريبية وترك الجنوب تحت سيطرة وتحكّم الإسرائيلي والأميركي مرفوض، ومن شأنها أن تبقي الاحتلال لفترة طويلة جداً من الزمن وهذا ما لا يمكن أن نقبل به، كما أنها تضرب عرض الحائط بدور الجيش اللبناني وسلطته على أراضيه بينما يفترض بالدولة أنها ترفع شعار السيادة"
لافتة إلى أن "حزب الله قال إنه سيلتزم وقف النار، لكن على الإسرائيلي أيضاً أن يوقف جميع اعتداءاته بما في ذلك على الجنوب، وكما قال الأمين العام (نعيم قاسم) أمس فما دام الاحتلال موجوداً فالمقاومة مستمرة".
ميدانياً، يواصل الاحتلال شنّ غارات على الجنوب اللبناني، وتوجيه إنذارات للسكان بالإخلاء، مستهدفاً أيضاً البقاع الغربي، شرقاً، بينما يعلن حزب الله عن عمليات عسكرية ضد آليات وتجمّعات جنود الاحتلال في الجنوب.
وبرز أمس، انسحاب إسرائيل من منطقة دبين، وإزالة الجيش اللبناني سواتر ترابية على طريق البلدة، كان وضعها الاحتلال، مما أعاد فتح طريق مرجعيون- دبين- إبل السقي، وفق إعلان الجيش.
وقال الجيش اللبناني، في بيان، إنّ وحداته العسكرية تنفذ انتشاراً تدريجياً بعد التواصل مع لجنة الإشراف على وقف العمليات العدائية (ميكانيزم)، وبالتنسيق مع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، فيما تجري الوحدات المختصة مسحاً هندسياً للمنطقة بهدف إزالة الذخائر غير المنفجرة.
في السياق، قال مصدر في الجيش اللبناني، إن "ما حصل أمس ليس مرتبطاً بالمنطقة التجريبية، فما جرى هو فتح للطريق بعد انسحاب إسرائيل من المنطقة، وقد تبلغنا بذلك من (لجنة) الميكانيزم"
لافتاً إلى أن "هناك بحثاً بالموضوع واستعدادات لذلك، لكن ليست هناك خطوات عملية أو ميدانية بعد".