أنيس حسن يحيى.. سيرة وطن ومسيرة نضال
تلقينا نبأ وفاة المناضل والمفكر السياسي المغفور له بإذن الله تعالى الأستاذ أنيس حسن يحيى، الذي وافته المنية في قاهرة المعز لدين الله بجمهورية مصر العربية، يوم الأحد الموافق 31 مايو 2026م، عن عمر ناهز التسعين عاماً، بقلوب يعتصرها الألم والحزن، وعيون تفيض بالدمع، وإيمان راسخ بقضاء الله وقدره.
لقد تلقينا هذا الخبر الجلل والمصاب الأليم في ظرف وطني بالغ القسوة تمر به بلادنا اليمن، فكان رحيل هذه القامة الوطنية الكبيرة خسارة فادحة للوطن وللحركة الوطنية اليمنية ولجميع رفاقه ومحبيه وتلامذته.
ففي هذا اليوم الحزين يودع اليمنيون واحداً من أبرز رجالات الفكر والسياسة والنضال الوطني، رجلاً ظل طوال حياته عنواناً للنزاهة والاستقامة، ومثالاً للإخلاص والتجرد، ومنارة للمعرفة والثقافة والعمل الوطني المسؤول.
برحيل الأستاذ أنيس حسن يحيى، يفقد اليمن أحد رجالاته الأفذاذ الذين ارتبطت أسماؤهم بمراحل مفصلية من تاريخ اليمن المعاصر.
فقد كان من أوائل المناضلين الذين أسهموا في تشكيل الوعي الوطني الحديث، ومن أبرز قيادات حزب البعث العربي الإشتراكي في جنوب اليمن، وأحد المؤسسين الرئيسيين لحزب الطليعة الشعبية،
قبل أن يكون من أبرز مؤسسي الحزب الاشتراكي اليمني، ومن قياداته التاريخية التي لعبت أدواراً سياسية وفكرية مؤثرة في مسيرة الدولة اليمنية قبل الوحدة وبعدها.
بدأ الفقيد حياته العملية معلماً في عدن في مطلع ستينيات القرن الماضي، ثم انخرط مبكراً في العمل الوطني المناهض للاستعمار، وأسهم في بناء مؤسسات الدولة الوليدة بعد الاستقلال، قبل أن يتفرغ للعمل السياسي والفكري، مؤمناً بأن بناء الإنسان والوعي لا يقل أهمية عن بناء الدولة.
وكان له دور محوري في التحولات الفكرية والسياسية التي شهدتها الحركة الوطنية اليمنية، حيث أسهم مع عدد من رفاقه في تبني الفكر الاشتراكي العلمي، وفي تأسيس حزب الطليعة الشعبية الذي تولى أمانته العامة،
ثم شارك في الجهود الوحدوية التي أفضت إلى قيام التنظيم السياسي الموحد والجبهة الوطنية، وصولاً إلى تأسيس الحزب الاشتراكي اليمني الذي انتخب عضواً في مكتبه السياسي.
ولم يكن الأستاذ أنيس حسن يحيى مجرد سياسي أو قائد حزبي، بل كان مثقفاً عضوياً ومفكراً مستنيراً جمع بين الفكر والممارسة، وبين النظرية والعمل. فقد ظل القلم رفيقه الدائم، والكتابة إحدى أهم أدواته في الدفاع عن قيم الحرية والعدالة والديمقراطية والدولة المدنية الحديثة.
وترك إرثاً فكرياً غنياً في الاقتصاد السياسي والفكر والثقافة الوطنية، جسد من خلاله عمق رؤيته واتساع أفقه المعرفي.
لقد كان الفقيد الكبير مدرسة قائمة بذاتها في النزاهة والوضوح والصدق مع الذات.
عرفه كل من اقترب منه رجلاً ثابتاً على مبادئه، شجاعاً في مواقفه، متسامحاً مع المختلفين معه، مؤمناً بالحوار والعقل، رافضاً للعنف والتطرف والعصبيات الضيقة بكل أشكالها.
وكان يرى أن الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على المواطنة المتساوية وسيادة القانون هي الطريق الوحيد لإنقاذ اليمن وصيانة وحدته واستقراره.
وظل موقفه من الوحدة اليمنية موقفاً وطنياً ثابتاً لم يتزحزح عنه قيد أنملة.
فقد كان من أبرز الأصوات السياسية الجنوبية التي دافعت عن بقاء اليمن موحداً على أسس عادلة ومنصفة، مؤمناً بأن مستقبل اليمن يكمن في دولة اتحادية ديمقراطية تحقق الشراكة والعدالة وتحفظ الحقوق،
محذراً من مخاطر التشظي والانقسام وما قد يجره من صراعات وتمزقات لا تنتهي.
وبعد اجتياح المحافظات الجنوبية في عام 2015م، انتقل الفقيد إلى القاهرة حيث أقام سنواته الأخيرة بعيداً عن مدينته عدن التي أحبها وأحبته، وعن وطنه الذي ظل حاضراً في وجدانه وفكره حتى آخر أيام حياته.
وبرغم متاعب العمر والغربة، لم يتخل عن دوره الفكري والوطني، وظل يكتب ويحلل وينصح ويدافع عن قيم الدولة المدنية والعيش المشترك ووحدة اليمن ومستقبله.
لقد كان الأستاذ أنيس حسن يحيى بحق واحداً من رموز جيل وطني استثنائي صنع صفحات مشرقة من تاريخ اليمن الحديث، وظل وفياً للمبادئ التي آمن بها منذ بواكير شبابه وحتى لحظة رحيله.
وكان مثالاً للمثقف المناضل الذي جمع بين صفاء الفكر ونبل الأخلاق وشجاعة الموقف، فاستحق مكانته الرفيعة في ذاكرة الوطن وفي قلوب رفاقه وأصدقائه وكل من عرفه.
لقد كان الأستاذ أنيس حسن يحيى بحق واحداً من رموز جيل وطني استثنائي صنع صفحات مشرقة من تاريخ اليمن الحديث، وظل وفياً للمبادئ التي آمن بها منذ بواكير شبابه وحتى لحظة رحيله.
وكان مثالاً للمثقف المناضل الذي جمع بين صفاء الفكر ونبل الأخلاق وشجاعة الموقف، فاستحق مكانته الرفيعة في ذاكرة الوطن وفي قلوب رفاقه وأصدقائه وكل من عرفه.
ويرحل الأستاذ أنيس حسن يحيى في واحدة من أكثر اللحظات قسوةً في تاريخ اليمن المعاصر، لحظة تختلط فيها آلام الحرب والانقسام بمرارة التراجع الوطني،
فيغدو رحيل الرجال الكبار أشبه بانطفاء محطات مضيئة من تاريخ طويل من النضال والأحلام والتضحيات والإيمان العميق بفكرة الوطن.
وكأن اليمن الجريح، وهو يرزح تحت أعباء الصراعات والتشظي، يودع اليوم واحداً من أبنائه البررة الذين أفنوا أعمارهم في خدمة قضاياه والدفاع عن وحدته ومستقبله.
لقد كان الفقيد الكبير واحداً من أبناء الجيل الذي حمل هموم اليمن على كتفيه في أصعب المراحل التاريخية، وآمن بأن النضال الوطني ليس مجرد شعارات ترفع، بل مسؤولية أخلاقية وتاريخية تقتضي التضحية والعمل الدؤوب من أجل بناء الدولة وصون كرامة الإنسان.
وكان من ذلك الرعيل الذي بحث عن معنى الوطن الجامع، وعن دولة المؤسسات والقانون، لا عن المكاسب الشخصية أو المصالح الضيقة.
ولم يكن أنيس حسن يحيى مجرد قيادي سياسي بارز، بل كان نموذجاً نادراً للمثقف العضوي الذي جمع بين سعة المعرفة وعمق الرؤية ونبل السلوك.
فقد امتلك ثقافة موسوعية وقدرة استثنائية على التحليل واستشراف المستقبل، وظل طوال حياته مؤمناً بالحوار والعقلانية والاحتكام إلى الفكر في معالجة القضايا الوطنية الكبرى.
وكان حضوره في أي مجلس أو حوار يترك أثراً عميقاً لما يتمتع به من حكمة واتزان وموضوعية واحترام للرأي الآخر.
كما ظل طوال مسيرته السياسية والفكرية مثالاً للسياسي الذي يسمو فوق الخصومات الصغيرة، ويبحث دائماً عن مساحات التفاهم والتلاقي بين المختلفين.
فلم يعرف عنه التعصب أو الإقصاء، بل كان من دعاة الشراكة الوطنية والتسامح السياسي والعمل المشترك من أجل بناء مستقبل أفضل لليمنيين جميعاً.
وبرغم ما تقلده من مواقع ومسؤوليات رفيعة في الدولة والحزب، فقد بقي محتفظاً بتواضعه الإنساني ونقائه الأخلاقي واتساقه الفكري،
فلم تغيره المناصب ولم تبدله تقلبات السياسة، وظل وفياً للمبادئ التي آمن بها منذ شبابه وحتى آخر أيام حياته، ثابتاً على مواقفه، صادقاً مع نفسه ومع وطنه.
إن أمثال الأستاذ أنيس حسن يحيى لا يرحلون تماماً، فالأجساد تغيب، أما المواقف النبيلة والسير العطرة والأفكار المستنيرة فتبقى حية في ذاكرة الأوطان ووجدان الشعوب.
وسيظل اسمه واحداً من الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الحركة الوطنية اليمنية الحديثة، ومن الرموز التي أسهمت في صناعة الوعي الوطني وترسيخ قيم الدولة المدنية والعدالة والحرية والوحدة الوطنية.
وإننا إذ ننعى هذه الشخصية الوطنية الكبيرة، فإننا نستحضر مسيرة حافلة بالعطاء والتضحية والنضال والعمل العام، ونؤكد أن الأوطان وإن فقدت رجالها العظام فإنها تبقى مدينة لهم بما قدموه من جهود ومواقف وإسهامات ستظل حاضرة في وجدان الأجيال القادمة.
وإننا إذ ننعى هذه الشخصية الوطنية الكبيرة، فإننا نستحضر مسيرة حافلة بالعطاء والتضحية والنضال والعمل العام، ونؤكد أن الأوطان وإن فقدت رجالها العظام فإنها تبقى مدينة لهم بما قدموه من جهود ومواقف وإسهامات ستظل حاضرة في وجدان الأجيال القادمة.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمد فقيد الوطن الأستاذ أنيس حسن يحيى بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وأن يجزيه عن وطنه وشعبه خير الجزاء.
كما نسأله سبحانه أن يلهم أهله وذويه ورفاقه ومحبيه جميل الصبر والسلوان، ونتقدم بخالص العزاء والمواساة إلى زوجته الكريمة، وإلى نجله المهندس باسل أنيس حسن يحيى، وإلى شقيقته الأستاذة غادة، وإلى كافة أفراد أسرته الكريمة
وإلى رفاق دربه ورفاق الحركة الوطنية اليمنية والحزب الاشتراكي اليمني وكل محبيه في اليمن وخارجها,
وأخص من رفاقه الأستاذ المناضل الكبير عبدالواحد المرادي والمثقف العضوي الباحث في الفكر السياسي المناضل الأستاذ قادري احمد حيدر والمثقف العضوي المناضل الأستاذ حسن شكري وصديقي ومن عرفت الفكر القومي من خلاله الصديق العزيز عبدالعزيز الزارقة..
رحم الله الأستاذ أنيس حسن يحيى رحمة الأبرار، وجعل سيرته العطرة ومواقفه الوطنية المشرفة في ميزان حسناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
✍️ أ .حسن حمود الدولة
كاتب وباحث يمني