أهرامات مصر: الصرح الأثري يُمسي مسرحاً سياحياً
أهرامات الجيزة التي صمدت آلاف السنين لتروي تاريخ مصر للعالم، أصبحت اليوم تستضيف سباقات الخيول والسيارات والحفلات الشبابية. وبينما تراهن وزارة السياحة والآثار على هذه الفعاليات لجذب مزيد من الزوّار،
يحذر خبراء آثار من أن يتحوّل الموقع الاستثنائي إلى ساحة للأنشطة التجارية، بما يصاحبها من معدات وتجهيزات وزحام ومخلفات، في وقت يواجه فيه الموقع ضغوطاً متزايدة من التلوث والتغيّرات المناخية وحركة الزوار.
جسدت استضافة مصر مسابقة لونجين العالمية لأبطال قفز الحواجز، خلال الفترة من 22 إلى 24 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، هذه المفارقة بوضوح؛
فللمرة الأولى، دخلت القاهرة جدول جولة لونجين العالمية، التي تحتفل بمرور 20 عاماً على انطلاقها، بمشاركة عدد من أبرز فرسان العالم، وجوائز تجاوزت 1.75 مليون يورو، منها مليون يورو للجائزة الكبرى في القاهرة.
يقول المتحدث باسم الاتحاد المصري للفروسية، هاني مجدي، إن مصر استقبلت نحو 50 فارساً من أبرز فرسان الدول المتقدمة في اللعبة، إلى جانب قرابة 100 من الخيول عالية القيمة، معتبراً أن البطولة تضع البلاد على خريطة المنافسات الدولية.
تراهن الجهات المنظمة على أن الجمع بين رياضة عالمية وموقع أثري شهير يوسع نطاق الجمهور الذي تتواصل معه السياحة المصرية،
فبدلاً من اقتصار ظهور أهرامات الجيزة على الإعلانات التقليدية، انتقلت صورتها إلى تغطيات رياضية دولية يتابعها عشاق الفروسية، بما قد يفتح الباب أمام استقطاب شرائح جديدة من السائحين المهتمين بالرياضة والسياحة الفاخرة.
وصف الفارس الألماني ماركوس إهنينغ مشاركته بأنها زيارته الأولى إلى القاهرة وأفريقيا، معتبراً أن المنافسة قرب الأهرامات تمنح التجربة طابعاً استثنائياً.
ويرى الفارس المصري سامح الدهان، أن وجود أهرامات الجيزة يمثل الفارق الأبرز بين محطة القاهرة وبقية محطات الجولة.
بحسب وزارة السياحة والآثار، تمنح هذه الشهادات مصر مادة ترويجية يمكن إعادة توظيفها بعد انتهاء البطولة،
لكن من وجهة نظر أثريين فإنّ تحويل الانتشار الإعلامي إلى زيارات سياحية فعلية يظل بحاجة إلى قياس عدد الحجوزات الجديدة، والليالي السياحية الإضافية، ومدى عودة المشاركين والضيوف إلى البلاد.
في هذا السياق، قال وزير الشباب والرياضة، جوهر نبيل، إن استضافة الجولة تعكس الثقة الدولية في قدرة مصر على تنظيم البطولات الكبرى، وتسهم في الترويج لمقوماتها السياحية والحضارية، إلى جانب إتاحة الفرصة أمام الفرسان المصريين لاكتساب الخبرات.
وترى المنسقة الإعلامية للبطولة في مصر، نجلا غرياني، أن تكرار استضافة هذه الأحداث يمكن أن يزيد الاهتمام برياضة الفروسية، ويشجع الناشئين على ممارستها، ويفتح المجال أمام الرعاة والاستثمارات في التدريب وتجهيز الخيول وتنظيم المسابقات.
في المقابل، تثير إقامة الفعاليات الكبرى تساؤلات بشأن حدود استخدام المناطق الأثرية، خصوصاً مع ما تتطلبه من تجهيزات مؤقتة ومعدات ومسارات للحركة وخدمات للمشاركين والجمهور.
يقول عضو غرفة شركات السياحة، عادل ضيغم، لـ"العربي الجديد"، إن إقامة بطولة الفروسية لا تؤدي بالضرورة إلى الإضرار بالأهرامات، لكن حماية الموقع تتطلب إخضاع كل فعالية لاشتراطات واضحة تتعلق بمكان إقامتها، وطبيعة التجهيزات، وإدارة المخلفات، وحركة المركبات، وإزالة المعدات بعد انتهاء الحدث
مؤكداً أن المقابل المالي الذي تدفعه الشركات قد يوفر مورداً للدولة، لكنه لا يكفي وحده للحكم على الجدوى، ما لم تقارنه الجهات المعنية بتكاليف التنظيم والحماية، وحجم الإنفاق السياحي الجديد، ومدى استفادة المنشآت والعاملين المحليين.
ووفقاً للخبير السياحي، تبرز أهمية شفافية معايير إسناد تنظيم الفعاليات، والإفصاح عن الالتزامات المفروضة على الشركات والعوائد المحققة،
حتى لا يصبح الموقع الأثري مجرد مساحة تجارية تستفيد من قيمته التاريخية، من دون قياس ما يعود عليه وعلى الاقتصاد المحلي أو مكب نفايات ناتجة عن مخلفات تلك الحفلات أو الفعاليات، التي نراها كثرت حول منطقة أهرامات الجيزة منذ إسناد إدارتها إلى إحدى الشركات الخاصة التي تتفنن في كثرة الفعاليات على حساب قدرتها على استيعاب الأعداد الهائلة من الزائرين يومياً.
يوضح ضيغم أن مسابقة لونجين تمثل فرصة لمصر للوصول إلى جمهور دولي لم يسبق له أن تابع هذا النوع من الرياضات، كما تمنح الفرسان المصريين فرصة للاحتكاك بالمستويات العالمية،
لكن نجاح البطولة تنظيمياً وإعلامياً، لا يحسم وحده جدوى تكرارها، ولا يثبت أنّ الاهتمام الذي أثارته سيؤدي تلقائياً إلى زيادة السياحة، لتظل المعادلة الأهم، كما يراها، هي كيفية استثمار شهرة الأهرامات، من دون اختزالها في خلفية بصرية للأحداث الكبرى؛
فكلما ارتفعت القيمة الإعلامية للموقع، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحميه وتضمن أن تكون الفعاليات وسيلة للتعريف به وتشجيع زيارته، وليست غاية تتقدم على الحفاظ عليه.
يقول الخبير السياحي إنّ الأهرامات هي التي منحت البطولة صورتها الاستثنائية، لكن بقاءها مصدراً للجذب السياحي يتوقف على صون القيمة التاريخية التي جعلتها، قبل آلاف السنين من ظهور الفروسية الحديثة، واحدة من أشهر معالم العالم.
تتطلب المفاضلة بين العائد السياحي وكلفة حماية أهرامات الجيزة اعتماد مؤشرات قابلة للقياس، تبدأ بحصر الإيرادات التي تحققها الفعاليات، ومقارنتها بنفقات التأمين والنظافة والصيانة وإدارة حركة الزوار والمركبات، فضلاً عن كلفة أي تدخلات لازمة للحفاظ على الموقع.
يتيح نشر هذه البيانات تقييم الجدوى الاقتصادية لكلّ فعالية على حدة، بدلاً من الاكتفاء بأرقام الجوائز أو حجم التغطية الإعلامية وعدد المشاهدات، وهي مؤشرات لا تكشف وحدها مقدار ما تضيفه البطولة إلى السياحة المصرية.
يمتد التقييم ليشمل طبيعة المستفيدين من هذه الأنشطة، وحجم إنفاق المشاركين والضيوف داخل الاقتصاد المحلي، ومدى استفادة الفنادق وشركات السياحة والمرشدين والعاملين في الخدمات المرتبطة بالزيارة.
فزيادة الظهور الدولي تكتسب قيمة اقتصادية أكبر حين تنعكس على حجوزات فعلية وإقامات أطول وفرص عمل، ويمكن رصد هذه النتائج بمقارنة البيانات السياحية قبل الفعالية وبعدها، مع مراعاة أثر المواسم والعوامل الأخرى المؤثرة في حركة السفر.
أما أثرياً وبيئياً، فتبرز الحاجة إلى تقييم مستقل يحدد المناطق المسموح باستخدامها، وطبيعة المنشآت المؤقتة وأوزان المعدات ومسارات المركبات، وآليات التخلص من المخلفات، ومدة إعادة الموقع إلى حالته السابقة.
وينبغي أن تتضمن الموافقات اشتراطات قابلة للتحقق، مع توثيق حالة الموقع قبل كل فعالية وبعدها، وتحديد المسؤولية عن أي أضرار أو تجاوزات.