فيلم ذكاء اصطناعي يحقق ملايين المشاهدات والشهرة في العالم العربي
جذب فيلم ذكاء اصطناعي في "يوتيوب" انتباه الجمهور في العالم العربي أسوةً بالجمهور العالمي، إذ حقق خلال أقل من عشرة أيام أكثر من 50 مليون مشاهدة.
وفي مواقع التواصل عربياً، تحدّث المستخدمون عن هذا العمل معبّرين عن مشاعر متباينة حوله، في محطة لافتة في تاريخ السينما في عصر الذكاء الاصطناعي.
يحمل الفيلم عنوان The Mother's Monster (وحش الأم)، ويدور حول فتاة تنجب تنيناً فتبدأ متاعِبها. من أول مشهد، تظهر الفتاة وهي تواجه قطيعاً من الذئاب، وحين تنجو منها تنجب تنيناً وردياً صغيراً.
ترفضه في البداية وتحاول تركه، قبل أن تستيقظ غريزة الأمومة وتقرّر العناية به. تكون في البداية أكبر مشاكلها هي إطعام التنين الصغير، ثم تزداد المشاكل بتزايد حجمه، خصوصاً بعد انكشاف وجوده في القرية التي تعيش فيها.
تتطور الأحدث لتتخذ منحنى أقسى وأشد حزناً حتى النهاية.
ظهر الفيلم في قناة على "يوتيوب" تحمل اسم MYTHRA وليس فيها أي فيلم آخر غير The Mother's Monster. يكتب الناشر عن الفيلم: "تضع شابة مولوداً، هو عبارة عن تنين، في قرية جبلية متجمدة.
يصفه أهل القرية بأنه وحش، بينما تراه هي ابنها. هذا هو الفيلم كاملاً"، ويضيف: "جاؤوا عند الفجر حاملين الحجارة والمشاعل لإنهاء الأمر.
وقفت هي بينهم وبين الكائن الذي تحمله بين ذراعيها. لم يقتلوها، بل طردوها نحو الجبال وأوصدوا البوابات خلفها، واثقين من أن البرد سيتكفل بالقضاء عليه. لكن البرد لم يقضِ عليه".
يقول الناشر إنّ سيناريو الفيلم "قصة أصلية، نبعت من الخيال، وليست مقتبسة عن أي كتاب أو فيلم أو أسطورة"، ويعترف بأن "هذا الفيلم يحتوي على مشاهد بصرية وأصوات مُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي"،
ثم يسأل الجمهور: "هل كان خوف أهل القرية مبرّراً؟ أخبروني بذلك في التعليقات".
أثار العمل ضجة واسعة، فإضافة إلى تحقيقه أكثر من 50 مليون مشاهدة في تسعة أيام، فقد لفت نظر مواقع التواصل الاجتماعي في العالم، إذ ناقشه معلقون وعبّروا عن مشاعرهم المتباينة حوله؛ فاعتبر بعضهم أن الفيلم رديء شكلاً ومضموناً، بينما احتفى فيه آخرون.
الفيلم من قصة وسيناريو وإخراج زاهد إقبال. وهو عمل مولّد بالذكاء الاصطناعي، بالكامل، فلم يعتمد على مصورين، أو مهندسي صوت أو إضاءة، ولم يحتج إلى ممثلين، أو تراخيص، أو أي شيء يحتاجه تصوير فيلم سينمائي بفريق بشري.
أعاد هذا كله السؤال الذي يؤرق العاملين في القطاع السينمائي والتلفزيوني والإعلامي: هل يحرم الذكاء الاصطناعي كل هؤلاء العاملين من مصدر رزقهم؟
عربياً، لوحظت أولى الأعراض المقلقة في رمضان الماضي، أهم موسم للمسلسلات في العام بالنسبة إلى العالم العربي.
حينها اختار عدد من صنّاع الدراما التخلّي كلياً أو جزئياً عن فرق الإنتاج، والاستعانة بروبوتات توليد المحتوى لتصميم تترات الأعمال مثل "فن الحرب" و"الست موناليزا" و"إفراج". الذكاء الاصطناعي امتد إلى إعلانات رمضان أيضاً،
ففي موسم 2025 استُخدم في إعلانات "جهينة" للألبان، وبسكويت بيكرز، والبنك الأهلي المصري.
بالنسبة إلى "وحش الأم"؛ فهو تجربة سينمائية تغوص في المزاج العام بدلاً من الحبكة السريعة. الكاميرا البطيئة تعكس وحشة هذه الطبيعة، كما يخلق التباين اللوني بين التنين الوردي وتلك الثلوج البيضاء إحساساً بالعزلة والغرابة وسط مجتمع قاس.
الذكاء الاصطناعي هنا يقدم حلولاً بصرية لافتة، ويوظف قصوره في محاكاة المشاعر لصالح المشهد. ملامح الفتاة تبدو جامدة وباردة، وهو أمر يتناسب ببراعة مع صدمة الموقف وقسوة الطبيعة التي تحيط بها.
وكأنّها فقدت القدرة على التعبير المباشر، لتترك لجسدها المرتجف مهمة إيصال هذه الرسالة العاطفية إلينا. يضيف هذا التجمد العاطفي الظاهري طبقة من الغموض الفاتن، ويجعلنا نتساءل عن حدود إنسانيتها بوصفها أماً لكائن غير بشري.
يطرح العمل استعارة بصرية صارخة عن الأمومة في أصعب تجلياتها، عندما تجبر الظروف الوالدات على التضحية. تتحول الأمومة هنا إلى درع يحمي الاختلاف، وتصبح القصة صرخة مكتومة في وجوه مجتمع يرفض كل من لا يشبهه.
هذا التوجه الفني لا يقدم إجابات جاهزة، ولا يسعى إلى تلقين المشاهد دروساً مباشرة، وهو يفتح باباً للتأويل. الموسيقى التصويرية المرافقة، والمولدة تقنياً أيضاً، تلعب دوراً حاسماً في تعزيز هذه الحالة التأملية.
وتتصاعد الألحان تدريجياً بأسلوب يذكرنا بأهم الأعمال الكلاسيكية التي تعتمد على الصوت لخلق التوتر لنا.
تفرض تجربة مشاهدة هذا العمل على كل من يهتم بصناعة السينما العالمية إعادة النظر في أساليب السرد بها. نحن نقف أمام مرحلة تتطلب فهماً مختلفاً لمعنى الإبداع،
فيتحول المخرج من مجرد حامل للرؤية اليوم، أو موجه مباشر للممثلين، إلى مايسترو يضبط إيقاع خوارزميات معقدة للغاية لإنتاج هذه الرؤية السينمائية.
يمثّل "وحش الأم" خطوة تجريبية جريئة، ووثيقة تفتح أبواباً واسعة لقصص عميقة يمكن أن تروى بطرق لم تكن مألوفة.
ورغم المخاوف المشروعة للعاملين في القطاع، يؤكد العمل أن التقنية تظل أداة في يد المبدع لتشكيل رؤيته. الجوهر سيظل دوماً هو الحكاية الجيدة، والمشاعر الصادقة التي تنفذ إلى القلب، بغض النظر عن طريقة الصنع.
تتركنا نهاية الفيلم أمام تساؤل دائم: هل نحن بالفعل من نصنع الوحوش، أم أن البرد القاسي هو ما يصنعها؟
ومن المؤكد، نحن نشهد لحظة تأسيسية لتيار قد يغيّر وجه الدراما خلال السنوات المقبلة، ونطرح سؤالاً ملحّاً: ماذا يبقى من مهنة السينما حين يصبح إنتاج الفيلم متاحاً لفرد، من منزله، بأدوات بسيطة، من دون فريق؟
حمزة الترباوي
صحافي مغربي