الصراع اليمني من زوايا غير مرئية
تتكرر مأساة النزوح في اليمن منذ حروب العشر سنوات في الستينيات وحتى السبعينيات، ثم حرب الوحدة في التسعينيات، ثم حروب صعدة الست منذ 2003 وحتى 2010، ثم حروب الانقلاب الحوثي المستمرة منذ 2014 وحتى اللحظة.
في كليات الحروب هذه توجد تفاصيل لا يلتفت إليها أحد، توجد حيوات توقفت فجأة بعد أن فرت عوائل فجأة وغادرت منازلها تاركة أشياءها، وبعد أن كانوا مكتفين أصبحوا ذوي عوز وفاقة،
ليسوا مشردين كما تصورهم وسائل التواصل في خيامهم الفجائية، بل ثمة معلمون ومهندسون وأصحاب تجارات صغيرة وكبيرة،
يوجد عجائز ومسنون يجرون نحفهم فوق عصيهم وتعب سنين عجاف يرتسم على وجوههم، وثمة أطفال خائفون لا تنقلهم الصورة إلا كمحض جوعى أو عالقين مع أسرهم في فم الليل والجبال الوعرة.
وكثير من النساء اللاتي لا يحملن وجعهن وقلقهن فحسب، بل وجع زوج قتل أو أسر أو حتى تشرد ليصبح عاجزًا عن توفير قوت يوم.. يوم فحسب،
وقلق على أطفال تركوا مدارسهم فجأة وخطفوا عنوة ليقحموا في قتال لا ناقة لهم فيها ولا جمل، أو لعلهم قتلوا بقصف عشوائي ولم تتمكن أمهاتهم من جمع بقايا آثارهم وهن يتوارين خلف قمم الجبال بمن تبقى من صغارهن.
وجع عريض يمد ساقيه بين شعب وأطراف اليمن كلها كأخطبوط يعرف كيف يحكم قبضته، وبينما يئن جرحى المواطنين العزل الذين أجبروا على الرحيل، يشم الليل روائح جثث معارك النهار وهو يقلب عينيه فلا يرى فرقًا في لون أو ملامح القتلى، لكن لكل منهم نظرته وعضة شفة تبوح بكثير مما كنز في الصدور.
طرف يقبل رواية السيد دون أن يحلل مضمونها، ويكتفي بلمعان الأضواء الخضراء التي تحمل شعارات متباينة الوقع والأثر.
وطرف يحاول أن يحمي ما تبقى من كرامته، وفي الخلفية دائرة مستطيلة يتجمع فيها ذوو رؤوس مربعة ومستطيلة ومثلثة ولا أحد منهم يشبه ملامح تلك الجثث التي يتحدثون باسمها، غريب هو هذا التناقض الرهيب بين ما نراه وبين ما يتوارى خلف النظرة العابرة.
تتنافس قنوات الإعلام على تغطية الحدث، حدث المعركة المحتدمة فوق رقعة الجغرافيا، وينقلون آلام اليمنيين بتفاصيلها الكثيفة في أخبار مكررة تأتي على رأس كل ساعة،
كما تتنافس منظمات حقوق الإنسان على جمع أكبر قدر من الصور والإحصائيات لتحشو بها تقاريرها الختامية.
وتتغير خريطة الخوف في ملامح النازحين والمقيمين على حد سواء كل ليلة وهم يستمعون إلى تبادل إطلاق النار وكأنهم ينتظرون احتفال جنازاتهم المجانية.
حتى أولئك الآمنون بصفة مؤقتة لا يعلمون متى تنتهي صلاحية إقامتهم في الأرض أو على قيد الحياة، إذ لم يعد من جدوى في المقاومة ما دام رأس الدولة تالفاً وخرباً،
أما أنياب الأخ المفترس فصارت أقوى بعدما وجدت فراغًا كبيرًا تملؤه بقوتها المستوردة أو حتى تلك المصنعة بعبوات الصمت الدولي.
قالها أحدهم قبيل مقتل علي صالح: “سيبكي الناس على أيام علي صالح”، حيث كان المرء يسافر من صنعاء إلى عدن من دون نقاط تفتيش ومن دون ضرائب إضافية لكل نقطة تفتيش افتراضية لا تمت لا إلى الشرعية ولا إلى الحوثي بصلة،
وإنما مجموعة شباب متعطل متبطل لم يجد عملًا سوى ابتزاز المواطنين المسحوقين من كل اتجاه.
ورد عليه شخص آخر لا ينتمي إلى جغرافيا العسكر والنفوذ الشمالي: “لن يبكي عليه إلا واحد من اثنين: جاهل مستغل، أو متنفذ فاجر، ولذا لن أبكي عليه، وما حدث من مآسي بينة كانت موجودة منذ عهد قديم، لكن كشفت سوأتها بقدوم الشعار الأخضر”.
الليل طويل.. طويل على شاب عشريني تمنى لو يدخل الجامعة، لكنه لم يجد قبولًا سوى في كلية اللغات، ورغم أنه حلم بالطب لم يتمكن من تحقيق حلمه لأن الحوثي فجر كلية الطب منذ زمن بعيد،
يتذكر مقالًا قرأه في الفيس بوك عن فتى ريفي غير واقعه وارتقى في سلم العلم وسافر مختلف الدول رغم أنه خريج كلية اللغات، يتمنى لو يخطو خطوه نفسه، يهمس بفرح للرجل الغريب الذي تعرف عليه قبل ليلتين ووقفا معًا في الخندق نفسه: أنه سيتمكن أخيرًا من الالتحاق بالجامعة.
بنبرة حزينة يهمس له صديقه الثلاثيني -الذي ترك زوجة وطفلين في طريق وعر، لكنه بعيد عن خط المواجهات- بأنه اشتاق لطفليه ولا يدري إن كان سيتمكن من رؤيتهما مجددًا.
يحدقان في الأفق الحالك منتظرين فجرًا ربما يبزغ فجأة كما تندلع المعارك هنا فجأة، وقبل أن يرتد إليهما بصرهما تحدق روحاهما في ظلين نحيلين يقفان في خندق مهجور ومنسي لا تلتقطه عدسات الإعلام ولا طاولات الاتفاقات السياسية ولا تقارير المنظمات الحقوقية، لكنهما يبقيان خالدين في ذاكرة الخلود لمن تمعن جيدًا في المشهد كاملاً وليس إطار الصورة المنقولة فحسب.
إلهام الحدابي
كاتبة يمنية ومتخصصة في العلاقات الدولية والتنمية السياسي