"ابن مين فيهم؟".. هل تكفي الثنائيات لإنجاح فيلم كوميدي؟
لعلّنا دائماً ما نظن أن من أكثر الثنائيات الكوميدية التي تحظى بإجماع في العالم هي توم وجيري، لكننا حين نتابع السينما المصرية، قد نغيّر رأينا.
لا نتحدث عن ثنائي شهير مثل فؤاد المهندس وشويكار؛ بل عن ثنائية حديثة فرضت نفسها خلال السنوات الأخيرة، والتي أحببناها منذ فيلم "ماما حامل".
لطالما شكّلت الثنائيات الفنية إحدى ركائز نجاح السينما الكوميدية العربية، إذ تحولت بعض الشراكات إلى علامة تجارية تجذب الجمهور إلى دور العرض.
في هذا السياق، تلفتنا ثنائية الممثلة ليلى علوي وزميلها بيومي فؤاد؛ فهي واحدة من أنجح الثنائيات، بعدما قدما معاً أربعة أفلام متتالية، قبل أن يعودا في صيف 2026 بفيلم "ابن مين فيهم؟".
تدور أحداث الفيلم حول رشدي (بيومي فؤاد)، رجل أعمال أنفق معظم ثروته على النساء والزيجات المتكررة، حتى خسر كل شيء.
وبعد وفاة عمته الثرية في أستراليا، يعتقد أن الحظ ابتسم له أخيراً عندما علم أنها تركت له ثروة كبيرة، لكن وصيتها تحمل شرطاً لم يكن يتوقعه.
ففي رسالة مصورة، لا تكتفي العمة بمعايرته لأنه "كان بيطلب منها فلوس"، بل تفضح حياته العابثة، وتمنحه مهلة شهر واحد فقط للعثور على ابن أنجبه من إحدى زيجاته السابقة، وهو الابن الذي لم يكن يعلم بوجوده أصلاً.
أما إذا فشل، فستؤول الملايين إلى جمعيات حماية الكنغر في أستراليا، وبذلك ستذهب الأموال من جيبه إلى جيب الكنغر. ومن هنا تبدأ رحلة البحث برفقة المحامية ماجدة (ليلى علوي)، المكلفة بتنفيذ الوصية.
كل زوجة... حكاية وحساب قديم
تعتمد فكرة الفيلم على أن كل زوجة سابقة تمثل محطة في رحلة رشدي، لكنها في الوقت نفسه تمثل فاتورة من الماضي حان موعد دفعها.
ولا يبدو أن رشدي هو من يبحث عن ابنه فقط، بل إن جميع زوجاته السابقات يبحثن عن فرصة لتصفية حساباتهن معه.
هكذا، تجد كل واحدة طريقتها الخاصة، سواء بالضرب أو انتزاع المال أو حتى أحد أضراسه.
ففي كل محطة من رحلة البحث، يلتقي رشدي إحدى زوجاته السابقات، ليكتشف أن كل علاقة مر بها تركت أثراً مختلفاً في حياة صاحبتها.
فبعضهن غيرتها المحنة ولم تعد "سفيفة وبسكوتاية وقطة مغمضة"، وأخريات بدأن حياة جديدة، أو حتى حيوات جديدة كما في حالة سامية (ويزو)، الذي توقع منها أن تعمل بغيابه "محشي؟"، لتجيبه: "محشي إيه... أنا اتجوزت كل دول"،
قبل أن تتحرك الكاميرا نحو الجدران المليئة بصور أزواجها من جنسيات مختلفة.
رسائل اجتماعية
رغم الطابع التجاري للفيلم، يحاول التطرق إلى عدد من القضايا الاجتماعية، أبرزها الزواج العرفي، وإثبات النسب، وحقوق المرأة، ومسؤولية الأب تجاه أبنائه.
لذلك، لم يكن مستبعداً أن نسمع رشدي يردد مقولة الممثل أحمد عز الشهيرة: "والله ما ولادي"، علماً أنها ليست مقتبسة من أحد أفلامه.
تبرز هذه القضايا من خلال شخصية المحامية ماجدة، التي سخَّرت جزءاً من عملها للدفاع عن النساء اللواتي يتهرب أزواجهن من مسؤولياتهم،
كما يشير الفيلم إلى التعقيدات القانونية التي تواجه دعاوى إثبات النسب، ومنها غياب نص قانوني يجبر الرجل على الخضوع لفحص الحمض النووي.
لا يكتفي "ابن مين فيهم؟" بطرح المشكلات، بل يحاول تقديم حلول ساخرة تبدو للوهلة الأولى مجرد نكات، لكنها تحمل قدراً من المنطق.
ومن أبرزها اقتراح شخصية تؤديها الممثلة شيماء سيف بإنشاء تطبيق باسم "جواز في الإنجاز"، تُحفظ من خلاله عقود الزواج العرفي على الكلاود "ولا تقلي النسخة ضاعت ولا تاخد النسخة بتاعتي وتقطعها".
بعد إنساني مفاجئ
يحاول الفيلم منح بطله بعداً إنسانياً. فبعد أن يبدأ كل شيء بدافع الحصول على الميراث، يفترض أن تتحول الرحلة تدريجياً إلى اكتشاف معنى الأبوة والمسؤولية.
لكن هذا التحول يأتي فجأةً، فعندما يظن رشدي أنه عثر أخيراً على ابنه، يبدأ بالحديث عن مشاعر الأبوة، قائلاً إن إحساساً جديداً بدأ يكبر داخله كلما اقترب من فكرة أن يصبح أباً، من دون أن يمنح السيناريو هذا التحول تمهيداً كافياً يجعل المشاهد يتدرج معه.
ينطبق الأمر نفسه على العلاقة بين رشدي وكريم (أحمد عصام)، ابن المحامية ماجدة، الذي حُرم من وجود والده.
فالعلاقة بينهما تقوم طوال الفيلم على المشادات والصدامات الجسدية التي تترك آثاراً واضحة على وجهيهما، قبل أن يفاجئنا كريم باعتراف مؤثر لرشدي قائلاً: "أنا بجي معاك عشان في حاجات كتيرة ما لحقتش أعملها مع بابا الله يرحمه".
ورغم قوة هذه الجملة، فإن توقيتها يبدو غريباً، إذ تأتي بينما يتوجهان إلى ملهى ليلي لمقابلة إحدى زوجات رشدي السابقات، الراقصة بهادر (انتصار)، التي يكتشف أنها تركت الرقص واتجهت إلى عالم الاتجار بالمخدرات،
رغم أن رشدي "سايبها رقاصة بس". لذلك، حتى هذه اللحظة الإنسانية اليتيمة بينهما تبدو غير منطقية في الفيلم.
الثنائية... هي في الحقيقة ثلاثية
قد لا يكون "ابن مين فيهم؟" أفضل ما قدمته ثنائية ليلى علوي وبيومي فؤاد، لكنه يؤكد أن هذه الشراكة ما زالت قادرة على جذب الجمهور، مستندة إلى الانسجام الواضح بين بطليه.
في الوقت نفسه، يطرح الفيلم سؤالاً مشروعاً حول مستقبل هذه الثنائية، أو بالأحرى الثلاثية؛ فالحقيقة أن هناك شريكاً ثالثاً لا يقل أهمية في التأثير، هو السيناريست لؤي السيد. فمنذ "ماما حامل"
مروراً بـ"شوغر دادي" و"جوازة توكسيك"، وصولاً إلى "ابن مين فيهم؟"، بقي لؤي السيد العقل الذي يكتب هذه الثنائية، بينما كان "المستريحة" الاستثناء الوحيد الذي غاب عنه.
في هذه الأعمال، حافظ على الوصفة نفسها تقريباً؛ كوميديا اجتماعية تتمحور حول عائلات ميسورة، وتتغذى على مفارقات شخصياتها المتناقضة، لينسج سوء الفهم بينها سلسلة متتالية من المواقف الساخرة.