"الهُرُد" اليمني... مستخلص طبيعي يتفوق على مستحضرات التجميل
في وقت تغزو فيه مستحضرات التجميل الكيميائية أسواق مدن اليمن، يظل "الهُرُد" لدى معظم النساء أكثر من مجرد توابل، إنه طقس تجميل عريق متوارث، يُثبت أن أصالة الطبيعة تبقى الإكسير الأبدي للنقاء والجاذبية.
تجلس الشابة اليمنية سوسن أحمد (36 سنة) بشغف أمام المرآة كي تمسح وجهها بمادة الكركم، التي تُعرف محلياً باسم "الهُرُد"، لتحافظ على بشرتها وتجعلها أكثر نضارة.
تمسح المسحوق على كامل الوجه فيتحوّل إلى اللون الذهبي، وهي تؤمن بأن هذه المادة التي تُستخدم عادة في الطبخ تغنيها عن كل مساحيق التجميل وواقيات الشمس العصرية باهظة الثمن، والمصنوعة من مواد كيميائية قد يكون لها تأثير سلبي.
تقول سوسن عن المسحوق الأصفر السحري الذي تتوارثه الأجيال في اليمن: "تستخدم النساء اليمنيات الهُرُد للاهتمام بالبشرة منذ قرون، وتعاملت منذ صغري مع الأمر كعادة متوارثة بعدما رأيت أمي وصديقاتها يضعنه على وجوههن بشكل متكرر، خصوصاً حين يتحضّرن لحفلات الأعراس أو العزائم أو المناسبات الاجتماعية.
وكنت أظن أنهن يضعنه كطقس للحماية من الأرواح الشريرة".
تضيف: "في صغري، كنت أضع الهُرُد على وجهي تأثراً بوالدتي وصديقاتها، وحين كبرت وقرأت عن فوائده أدركت أنه من أنسب المواد الطبيعية للحفاظ على نضارة البشرة وحمايتها، وأن الأمهات كن يمارسن ذلك نتيجة الخبرة والتجارب من دون أن تكون لهن معرفة علمية بفوائد الهُرُد".
وتحافظ ريفيات اليمن على طقوس إعداد مسحوق التجميل المكوّن من "الهُرُد" بالطرق التقليدية التي توارثنها، ويعملن على نقلها بدورهن إلى الأجيال القادمة. يمر "الهُرُد" برحلة مكوّنة من عدة محطات تنتهي باستقراره على البشرة.
تبدأ الرحلة باختيار جذور الكركم بعناية فائقة، حيث تفتش النسوة في الأسواق الشعبية أو في مزارعهن عن الحبات الأكثر صلابة، ذات اللون الأصفر الداكن والرائحة النفاذة.
وبعد الحصول على الجذور تبدأ داخل البيوت طقوس الطحن اليدوي، باستخدام مسحقة حجرية تسمى "المدق"، ويُطحن "الهُرُد" بمهارة حتى يصبح مسحوقاً تفوح منه رائحة تملأ المكان. وتضمن هذه الطريقة في الطحن الحفاظ على زيته العطري وخصائصه العلاجية كاملة.
ثم تبدأ مرحلة "الخلط" التراثي لصياغة ما يُعرف محلياً بـ"العقيدة"، إذ يُخلط مسحوق "الهُرُد" مع مسحوق "الورس" الذهبي، وتُعجن برفق بقطرات من الزيوت النقية، كزيت السمسم أو زيت الزيتون، لتغذية الجلد وترطيبه، ويُعطّر المزيج برائحة المحلب والفل أو الزهور البرية المجففة.
هكذا يتحوّل المزيج المتجانس إلى عجينة سميكة صُنعت يدوياً بالطرق التقليدية المتوارثة، وتصبح جاهزة لترسم لوحة من العناية الطبيعية الخالصة بعيداً عن المستحضرات الكيميائية.
وتتخذ نساء الأرياف اليمنية من "الهُرُد" طقساً يومياً راسخاً، ما يجعلهن حارسات أمينات لعرش تقاليد الجمال العريقة. وينبع هذا الارتباط الوثيق من بساطة العيش الريفي والاعتماد الكامل على هبات الطبيعة التي أثبتت فعّاليتها عبر قرون طويلة،
ففي أحضان البيئة الزراعية الخصبة، تتوافر المكونات الطازجة والنقية طوال العام، ما يمنح المرأة القدرة على تحضير خلطاتها العضوية بسهولة.
ولا يقتصر استخدام "الهُرُد" على التجميل، بل يتجاوز ذلك ليصبح درعاً يقي البشرة من لهيب الشمس الحارقة وقسوة المناخ خلال ساعات الكدح الطويل في الحقول، ويظل بالتالي رفيقاً وفياً يجمع بين كفاح المرأة الريفية اليومي وأناقتها الفطرية الخالصة.
وما حفظته الجدات بالفطرة وسطور التجربة العريقة، يترجمه العلم الحديث بلغة المختبرات والمعامل، فخلف هذا اللون الذهبي المميز لـ"الهُرُد" يختبئ كنز بيولوجي فريد يتوسطه مركب "الكركمين"، المضاد الجبار للالتهابات.
وتوضح الطبيبة أشواق عبد الوهاب، أن "المداومة على استخدام الهُرُد لا تتوقف عند منح البشرة مسحة جمالية، بل تمتد لتحافظ على صحة الجلد وسلامته،
إذ تسهم مادة الكركمين بدور محوري في ضبط إفراز الدهون، ومحاربة البكتيريا المسببة لحب الشباب، إلى جانب كفاءتها العالية في توحيد لون البشرة، وتخفيف آثار الندوب، وتحفيز إنتاج الكولاجين لمقاومة التجاعيد وعلامات الشيخوخة المبكرة".
ولا تقف فوائد "الهُرُد" عند حدود العناية بالبشرة والوقاية من أشعة الشمس، إذ تتعداها لتشكّل صيدلية علاجية متكاملة، وفقاً لخبراء طب الأعشاب.
فهذه النبتة العريقة التي تنتمي إلى عائلة "الزنجبيليات" تُستخدم لمواجهة أمراض العين التنكسية، وتخفيف آلام العضلات والمفاصل، والتهابات الروماتيزم،
إلى جانب دورها الفاعل في خفض معدلات الكوليسترول، وفرط الدهون في الدم، وتنظيم التمثيل الغذائي، وصولاً إلى المساعدة في محاربة القلق والتوتر.
هكذا ينسجم حدس التراث اليمني مع دقة الحقائق الطبية المعاصرة، ليؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن الطبيعة ستظل الطبيب الأصدق والأبقى للعناية بالبشرة.
خر العزب
صحافي يمني