الجنوب على موعد مع فوضى مدمرة
ها هي ملامح التمرد والرفض تظهر مجدداً بآليات سياسية وأمنية في محافظة عدن. ستعود محافظات الجنوب وربما الشرق لاحقاً إلى دوامة الفوضى والصراع مجدداً بعد شهور أربعة من التحولات الهامة التي بدأت مطلع العام بدحر تقدم الانتقالي في حضرموت وإخراج الإمارات من اليمن والحل الذاتي للانتقالي وفرض الأمن بقوات سلفية.
شغلتنا إيران وحروبها والحرب عليها في الأسابيع الماضية عن النظر إلى الوقائع المحلية اليمنية المتمثلة في نذر الصدام في عدن وتغول ثقافي وهوياتي حوثي على الناشئة والأطفال في مناطق سيطرته.
تحصد الحكومة اليمنية ثمرة أربعة شهور من عدم توطيد حكومة وطنية أمنياً وعسكرياً والاستسلام لتكرار الأدوات السابقة في خصخصة الأمن والإيغال في الاستقطاب على حساب الدولتية وتوزيع التشكيلات العسكرية جهوياً والتنازل على مفهوم السيادة الأمنية والعسكرية.
المخزي في الأمر أن يذهب وزير الدفاع إلى حضرموت ويعلن - "تزلفاً ممقوتاً" - عن جهوية المؤسسة العسكرية ضداً للمفهوم الدستوري للجيش والضرورة الوجودية للسيادة الوطنية العسكرية.
يمكن تفهم رغبة الحكومة ومن ورائها المملكة العربية السعودية في عدم تنفيذ سياسة صفرية أو اقصاء والذهاب بمنطق الاستيعاب إلى أقصى حد تمهيداً لتوافق سياسي متوسط المدى قليل الكلفة وماص للصدام.
إلا أن الاستقطاب والترضيات دون تعديل في قواعد اللعبة ووضع سلامة البلاد ومعيارية القانون ومرجعية الدستور أولوية ستقضي على كل المكتسبات.
ومن خرجوا من الباب سيعودون إلى النافذة مستقويين بالتراخي الظاهر وتغيير الأولويات إقليمياً ودولياً وغياب سلطة فاعلة ميدانياً.
ما كان يتوخى منه امتصاص الصراع سيفتح الباب لتنازع انفصالي -انفصالي بين تيارين: جهوي عيدروسي، وجهوي سلفي.
من الآن بدأ محافظ عدن يتعامل مع المحافظة باعتبارها مركز إشعاع سلفي لا عاصمة جامعة لكل اليمنيين. وتتقاعس التنظيمات السياسية عن أداء دورها المحوري في تطبيع الحياة السياسية في هذا المرحلة. بل ذهب الحزب الاشتراكي إلى إقامة فعالية في لحج وأزال عن اسمه لفظة "اليمني" وإدلاء أمنيه العام بتصريح وقوف الحزب مع حق "تقرير المصير" جهلاً بمعنى هذا المبدأ.
في عدن، ستسقط الشرعية في صدامات مزدوجة: مواجهة مشروع الانفصال بالمجمل، ومواجهة أجنحه الانفصال المتعددة، والحكومة هي الحلقة الأضعف في هذا الصراع المتداخل.
إلى الآن رافق خروج عيدروس من عدن خروج مجلس القيادة منها.
لم يرجع مجلس القيادة إلى عدن. بل ما تزال الأوضاع الأمنية هشة. وبدل ما تقود تحولات الشرق إلى استكمال دمج كل التشكيلات العسكرية بما في ذلك في المخا، ظهرت بوادر استقطاع أمني وإداري في كل مكان.
سيعيد الانفصاليون ترتيب أوراقهم وبعد شهرين من الآن على الكثير -بطبيعتها الحركة الانفصالية المتبلورة في المجلس الانتقالي وبنيتها المسلحة قادرة على توليد رد فعل أمني وخوض مواجهات مسلحة بدلاً من الاستثمار في العمل السياسي السلمي - وسيدشنون سيطرة جديدة على عدن ثم يتمددون في محيطها، وكأنك يا بو زيد ما عملت شي.
وهكذا يستنزف المجال السياسي والأمني في البلاد وتعود يمن الشرعية إلى المربع الأول.
فيما لو تحقق هذا السيناريو وهو الأكثر تأهيلاً، فإن عودة الإمارات عبر وكلاءها المحليين ستتميز بفجاجة أكبر وستبدأ سياسيتها بكسر عظم بدل سحب البساط التدريجي.
وجه الخطورة في هذا المشهد هو وجود إسرائيل على الصفة الأخرى من خليج عدن.
تبدو المنارة السابقة اليمنية- السعودية قد ركزت على إعادة تشكيل الحقل السياسي فقط بإعلان لحل المجلس الانتقالي من الرياض وإطلاق حوار جنوبي -جنوبي. وهذا لن يفضي إلا الى تفريخ لانهائي للتمثيلات الجنوبية.
الأرجح أن تتناثر وتتناسل عشرات ومئات التشكيلات السياسية الثورية الجنوبية. هذه الفوضى السياسية مألوفة في المشهد الجنوبي السياسي حاد المزاج ويمكن احتمالها إذا تأسست قاعدة أمنية متينة تضع أي احتقان سياسي في دائرة محصورة ومأمونة لا تؤثر على أداء الحكومة واستكمال بناء مؤسسات الدولة وتحسين الموارد.
اضعف الحلقات إلى الآن هي عدن. وها هي تهدر فرصة ان تتحول إلى عاصمة يعود اليها كل أعياء مجلس القيادة.
في الصيف ستظهر تعقيدات الخدمات وستفقد الحكومة حاضنتها المدنية في عدن. وهذه حاضنة لديها خبرة في التعامل مع التقلبات والسلطات العابرة وتدرك كلفة مساندة حكومة بلا جذور ولا وجهة ولا تسعى إلى الحصول على الرضا الجماهيري.
د. مصطفى الجبزي
كاتب وباحث يمني مقيم في باريس