العرب أكثر فساداً من أي وقت مضى
نظرة سريعة إلى تقرير مدركات مؤشر الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية أمس الثلاثاء، تخرج بنتيجة سريعة وهي أن العرب باتوا أكثر فساداً من أي وقت مضى،
وأن الفساد المنظم والضخم "الجامبو" يتفشى في معظم الدول العربية، خاصة بين النخب الحاكمة ومؤسسات الدولة، حيث نهب المال العام والسطو على أصول الدولة على نطاق واسع، مع انتشار الجرائم المالية من رشى وغسل وتهريب أموال وغيرها.
ومع تعمق الفساد بكل أنواعه تدرك أن ما يسمى بالحروب التي تعلنها السلطات في المنطقة من وقت لآخر للقضاء على تلك الجريمة تظل هلامية وحبراً على ورق، لأن نتائج تلك الحروب ليست صفرية فقط بل كارثية،
حيث تعمق الفساد وتغوّل في كل وزارة ومؤسسة حكومية وقطاع عام وركن من أركان الدولة، وأن ما تتغنى به حكومات المنطقة من دحر الفساد والقضاء عليه هو في الحقيقة دعاية سياسية فجة وبيع أوهام للرأي العام ومحض خيال لا أساس له على أرض الواقع.
لا تختلف حالة مصر ولبنان وسورية في تفشي الفساد والجرائم المالية بها عن حالات ليبيا والصومال واليمن وتونس والمغرب وموريتانيا وغيرها من الدول عالية الفساد، ولا تختلف حال السودان عن الأردن والعراق والجزائر،
وربما الاستثناء هنا من نصيب بعض دول الخليج وهي قطر والسعودية والإمارات التي حققت نجاحات ملموسة في مكافحة تلك الجريمة والظاهرة الخطيرة.
والملفت في النتائج الكارثية التي كشفتها منظمة الشفافية الدولية هو أن الدول العربية الثرية ذات الموارد الضخمة مثل العراق تتساوى في ظاهرة تفشي الفساد مع دول فقيرة الموارد مثل اليمن،
فقد كشفت المنظمة عن استمرار العراق ضمن الدول ذات المستويات المرتفعة من الفساد في القطاع العام. كما يتعمق الفساد في الدول الأكثر استبداداً، حيث غياب المساءلة وحكم الأقلية وتفشي الديكتاتوريات.
يتكرر الأمر في دولة نفطية كبرى مثل ليبيا، التي حلت بين أسوأ خمس دول على مستوى العالم، في المرتبة الـ177 من أصل 182 دولة، وفق أرقام منظمة الشفافية الدولية، ويتفشى فيها الفساد في أجهزة الدولة والقطاع العام،
مع عدم قدرة المؤسسات الرسمية على فرض الرقابة والمساءلة. تدعم تلك الجريمة الحروب والاضطرابات السياسية والأمنية التي تشهدها دول مثل اليمن منذ العام 2015.
أما مصر ورغم ضخامة حملات الفساد المعلنة من قبل الأجهزة الرسمية وتعدد الأجهزة الرقابية، فلم تتحرك خطوة واحدة من موقعها المتأخر عالمياً المسجل لعام 2024، لتصبح الدولة رقم 130 من بين 182 دولة مسجلة في مؤشر مدركات الفساد.
أما الدول التي تشهد حروباً أهلية ونزاعات وعدم استقرار أمني وسياسي وأزمات مالية واقتصادية عنيفة منذ سنوات فحدّث ولا حرج عن مستويات عالية من الفساد،
فاليمن يقع ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد في القطاع العام، حيث احتل المرتبة 177 من أصل 182 دولة.
ويتفشى الفساد بشكل مرعب في مفاصل الدولة، خاصة في قطاعات حيوية مثل النفط والغاز والضرائب والموانئ والجمارك وما يزيد عن 80 مؤسسة وهيئة ومصلحة عامة إيرادية بعيدة عن سيطرة الحكومة وإدارتها.
هناك عشرات الأسباب التي تغذي منسوب الفساد عربياً، منها تفشي الظاهرة داخل النخب الحاكمة نفسها والتي تتغذى على جرائم مالية باتت معروفة للجميع، مع ضعف الأجهزة الرقابية وترهلها في بعض الدول،
وتجاهل السلطات التقارير الصادرة عنها، وتعطيل العمل بالقوانين المكافحة للفساد، وتكليف أشخاص غير أكفاء لإدارة مؤسسات الدولة ودولاب العمل بها، وغياب المحاسبة البرلمانية والإعلامية والشعبية في ظل عدم وجود صحافة حرة، وهو ما يفتح المجال لانتشار الفساد على مصراعيه دون مساءلة.
الفساد خطر شديد على الدول والاقتصادات الوطنية وأسواق العملة والصرف والسلع والعمل والصناعة والإنتاج، حيث يؤدي إلى تهاوي العملة وتغذية التضخم وموجات الغلاء وتدني الناتج المحلي ومعدل النمو وهدر المال العام.
ومخاطر الفساد لا تتوقف على تآكل موارد الدولة وتسرب الإيرادات العامة لخارج الخزينة العامة، وتعميق الأزمات المالية والمعيشية ومنها عجز الموازنة العامة، وطرد الاستثمارات الأجنبية وتهديد المحلية منها، وتهديد أسواق المال وتلويث بيئة ومناخ الاستثمار،
بل تمتد لما هو أخطر، حيث تهديد الأمن القومي والاقتصادي للدولة بشكل مباشر، وقتل روح الانتماء لدى المواطن، وتفشي البطالة والفقر والسرقة والجرائم الاجتماعية والطلاق والمحسوبية، ودفع الدولة كاملة وبقوة نحو التوسع في الاستدانة الخارجية ورهن قراراتها للدائنين الدوليين، وفي وقت لاحق بيع أصولها ومقدراتها للأجانب.
وقديماً قال عالم الاجتماع الشهير ابن خلدون إن الفساد علامة فارقة على قرب انهيار الدولة، وهو السبب الجوهري لانهيار الحضارات، وانتشاره يؤدي إلى تدهور العمران، وإفقار الشعوب، وغياب العدل، ما يترتب عليه ضعف الدولة وهرمها ثم سقوطها، وأن محاربة الفساد تبدأ من تحقيق العدل، وردع المفسدين، وحسن اختيار الموظفين، والرفق بالرعايا وممولي الضرائب.
مصطفى عبد السلام
صحافي مصري