حين يضعف الالتزام… تضعف الدولة
تمرّ الدول، لا سيما في فترات الأزمات والانتقال السياسي، باختبارات دقيقة تتعلق بقدرتها على حماية مؤسساتها والحفاظ على تماسكها الوطني.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الخطر دائمًا خارجيًا أو ظاهرًا، بل قد يتسلل في صورة خلافات داخلية غير منضبطة، أو التباس في مفهوم الشراكة السياسية وحدودها.
إن المشاركة في مؤسسات الدولة، وخصوصًا في السلطة التنفيذية، ليست مجرد تمثيل سياسي أو توازن مرحلي، بل هي التزام وطني وأخلاقي قبل أن تكون موقعًا إداريًا.
ويأتي القَسَم الدستوري في هذا السياق بوصفه تعبيرًا واضحًا عن هذا الالتزام، ورمزًا للثقة بين المسؤول والدولة والمجتمع.
غير أن التحدي الحقيقي يبرز عندما يتراجع مضمون هذا الالتزام، أو يُتعامل معه بوصفه إجراءً شكليًا لا ينعكس على الممارسة السياسية الفعلية.
ويزداد هذا التحدي تعقيدًا حين يظهر نوع من التناقض بين الرغبة في المشاركة في السلطة التنفيذية من جهة، والعمل بخطاب أو ممارسات تُضعف هذه السلطة أو تُفقدها معناها الجامع من جهة أخرى.
فمثل هذا التناقض، مهما كانت دوافعه، يخلق حالة من الإرباك المؤسسي، ويؤثر سلبًا في ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها.
من الطبيعي أن تتعدد الرؤى السياسية حول شكل الدولة أو طبيعة النظام الإداري، كما أن الحوار حول قضايا الحكم المحلي أو اللامركزية أو الإصلاحات الدستورية يظل حقًا مشروعًا ومطلوبًا.
غير أن هذا الحوار يكون أكثر استقرارًا وجدوى عندما يُدار ضمن الأطر الدستورية المتفق عليها، وبعيدًا عن مؤسسات السيادة التي يُفترض أن تعكس الحد الأدنى من الإجماع الوطني.
لقد أثبتت تجارب عديدة أن الدول التي لم تضع فواصل واضحة بين الخلاف السياسي المشروع والمسؤولية السيادية واجهت صعوبات مضاعفة في الحفاظ على تماسكها.
في المقابل، فإن الدول التي حرصت على وضوح المعايير، وربطت المشاركة في الحكم بالالتزام العملي بالقانون والدستور، استطاعت عبور مراحلها الانتقالية بدرجة أعلى من الاستقرار.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة التأكيد على جملة من المبادئ، من بينها:
• التعامل الجاد مع القَسَم الدستوري بوصفه التزامًا عمليًا لا رمزيًا.
• تعزيز ثقافة المسؤولية داخل مؤسسات الدولة.
• إدارة الخلافات السياسية عبر الحوار والآليات القانونية المتفق عليها.
• حماية مؤسسات الدولة من التوظيف السياسي الذي قد يُضعف دورها الجامع.
ومع كل التحديات، يبقى الأمل قائمًا. فاليمن، بما يمتلكه من رصيد تاريخي وإنساني، قادر على تجاوز هذه المرحلة إذا ما قُدِّمت مصلحة الدولة على الحسابات الضيقة، وإذا ما التقت الإرادات السياسية حول حدٍّ أدنى من الالتزام الوطني الصادق.
إن ترسيخ الثقة بين الدولة ومواطنيها يبدأ من وضوح المواقف، واحترام التعهدات، والإيمان بأن الدولة القوية هي الضامن الأول لمستقبل الجميع.
أ. لقمان أحمد