التعديل الوزاري في اليمن... رسائل سياسية للخارج والداخل
الرأي الثالث
أثار التعديل الوزاري المحدود الذي أجراه رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، أمس الخميس، جدلاً بين مؤيد ومعارض في اليمن.
ينطلق المؤيدون من أن التعديل حمل رسائل سياسية ودبلوماسية للداخل والخارج، ومثَّل قفزة نوعية على صعيد تمكين المرأة
بينما يرى معارضون أن القرار لم يلبِّ متطلبات المرحلة المعقدة التي تمر بها البلاد، بقدر ما جاء استجابة لضغوط المجتمع الدولي المطالبة بتمكين النساء في مراكز صنع القرار.
وبحسب نص القرار الجمهوري الذي نشرته وكالة الأنباء الرسمية (سبأ)، فإن التعديلات في حكومة شائع الزنداني المؤلفة من 35 وزيراً،
شمل ثلاث حقائب وزارية، في مقدمتها تعيين أفراح عبد العزيز الزوبة وزيرةً للخارجية وشؤون المغتربين، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ البلاد.
كما عُيّن بدر محمد مبارك باسلمة وزيراً للتخطيط والتعاون الدولي، ومحمد سالم جعسوس وزيراً للإدارة المحلية.
وتعد الزوبة شخصية مستقلة تحظى بتقدير مختلف الأطراف، كما أنها شخصية من خارج أروقة السلك الدبلوماسي.
في المقابل، تتركز خبراتها السابقة في المجالات التنموية والإغاثية، ما قد يعيق، وفق المعارضين، إدارتها للوزارة في هذا الظرف الحرِج الذي يتطلب شخصية ذات باعٍ طويل في العمل السياسي والدبلوماسي.
إجماع على حسم حقيبة الخارجية
لكن بالمجمل، يبرز إجماع بين مراقبين على أهمية حسم التعيين في رأس الخارجية، بعدما ظل الزنداني خلال الفترات الماضية متأثراً بشغله ثلاثة مناصب عليا، حيث جمع بين رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية وسفارة اليمن لدى السعودية، والتي لا يزال يشغلها.
في الأثناء، يبقى السؤال المحوري: هل يقف اليمن اليوم أمام محاولة جادة لإعادة هيكلة الوظائف العليا بناءً على معايير الكفاءة والتكنوقراط (المتخصصين) وتنشيط الدبلوماسية التنموية؟
أم أن الأمر لا يعدو كونه عملية تدوير أزمة لاستيعاب التوازنات الدقيقة وإعادة توزيع الحصص داخل معسكر الحكومة المعترف بها دولياً؟
ترث الزوبة تركة ثقيلة وتآكلاً داخلياً حاداً في أروقة وزارة الخارجية.
فبعد أن ظلت الوزارة الواجهة المتبقية للدولة عقب الانقلاب الحوثي في 2014 والحرب، أنهكتها سنوات من الفشل الإداري، وتضخم الهيكل الوظيفي الذي بات يستنزف الجزء الأكبر من الموازنات التشغيلية.
من جهة أخرى، انقطعت رواتب صغار الموظفين في الوزارة، فضلاً عن التعيينات التي خالفت قانون السلك الدبلوماسي واعتمدت على المحاصصة وتوزيع السفارات غنائمَ سياسيةً.
في الاتجاه نفسه، يعود بدر باسلمة إلى الواجهة عبر بوابة وزارة التخطيط والتعاون الدولي خلفاً لأفراح الزوبة، وهو الذي يجمع بين خبرة الإدارة المحلية والحضور في الملفين الجنوبي والحضرمي. يجعله ذلك مكلفاً بمهام الاستقرار الاقتصادي وتنسيق الدعم الإقليمي والدولي وتوجيهه نحو البنية التحتية.
وتكتمل أركان هذا التعديل بضخ دماء جديدة في وزارة الإدارة المحلية عبر تعيين عهد جعسوس، خلفاً لباسلمة، في خطوة تُقرأ بوصفها مسعى لإعادة تنشيط ملف اللامركزية وضبط العلاقة بين السلطات المحلية والمركز، في مرحلة تتصاعد فيها التحديات الخدمية والأمنية بالمحافظات التي استعادت الحكومة السلطة فيها من الحوثيين.
ضغوط اقتصادية وسياسية على اليمن
وجاء هذا التعديل الوزاري في لحظة حرجة تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية مع تعقيدات المشهد السياسي الداخلي،
إذ تشير تقارير دولية إلى تراجع حجم المساعدات الإنسانية والتنموية لليمن بأكثر من 40% خلال العامين الماضيين. فرض ذلك على السلطات المعترف بها دولياً ضرورة مخاطبة المانحين بلغة الإصلاحات الهيكلية والمشاريع التنموية التي تُتقنها الزوبة.
كما أدى تدهور الخدمات الأساسية إلى تصاعد التجاذبات بين المحافظات والمجلس الرئاسي حول الإيرادات، ما جعل ضبط الإدارة المحلية والتنسيق التنموي أولوية قصوى.
في هذا الصدد، قال المحلل السياسي اليمني هشام المسوري، إن "التعيينات الأخيرة تعكس استمراراً للخلل في ترتيب الأولويات لدى الشرعية، إذ تصر القيادة على إنتاج إشارات وتكتيكات رمزية وجندرية تحاكي أولويات غربية قديمة لم تعد في صدارة الاهتمام اليوم".
وأوضح أنه "بعد أحداث البحر الأحمر وتصاعد التهديدات البحرية، أصبحت النظرة الدولية لليمن محكومة بمعادلات الأمن والملاحة"، مضيفاً أن "موقف الولايات المتحدة شهد ضربات عسكرية وتصنيفات أضحت أكثر حديّة من موقف الشرعية نفسه".
وحذّر المسوري من التبعات العكسية لهذه المقاربة، مشيراً إلى ما وصفها بـ"عقدة المشهد الأفغاني، حيث تُقيّم أروقة القرار الدولي هذه الخطوات الشكلية بوصفها دليلاً على انفصال السلطة عن محركات القوة الحقيقية في الداخل".
دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) تدرك تماماً، وفق المشوري، كيف "خسرت في أفغانستان أمام حركة طالبان التي تحركت من قلب التوازنات المحلية، بينما غرق وكلاء الغرب في كابول في محاكاة القيم الجندرية والرهان على الخارج حتى تحولوا إلى عبء استراتيجي"
معتبراً أن "هذه بالتحديد هي المفارقة التي تخشى العواصم تكرارها في اليمن".
في المقابل، يرى فريق آخر أن التقييم لا ينبغي أن يغفل القيمة الذاتية والخبرات العملية للشخصيات التي شملها التعديل.
وفي هذا السياق، أكد الكاتب الصحافي اليمني خليل العمري، أن قرار العليمي بتعيين الزوبة "يشكل خطوة فارقة وقراراً شجاعاً يعكس رغبة حقيقية في توسيع مشاركة الكفاءات الوطنية، إلى جانب إتاحة الفرصة لرئيس الوزراء للتفرغ الكامل للملفات الخدمية والإصلاحات الإدارية المعطلة".
وفي رأيه، فإن "رمزية هذا التعيين تستند إلى ثقل اجتماعي وسياسي متين، حيث تنحدر الوزيرة من جذور قبلية عريقة من قبائل قيفة بمحافظة البيضاء، وهي بيئة مشهود لها بأدوارها الوطنية، وبإسهامات أبنائها في معركة الدفاع عن الجمهورية".
كما أن الزوبة تستند، وفق العمري، إلى "رصيد إداري تراكم عبر محطات حاسمة، بدءاً من عملها في الأمانة العامة لمؤتمر الحوار الوطني، وموقعها كمستشارة برئاسة الوزراء، وقيادتها للجهاز التنفيذي لتسريع استيعاب تعهدات المانحين".
وأشار العمري إلى طبيعة التحديات المقبلة، مؤكداً أن "الخارجية اليمنية تقف اليوم على أعتاب مرحلة تتطلب ترجمة هذه الخبرات التراكمية إلى استراتيجية عمل جادة تستعيد فاعلية الدبلوماسية وتخدم مصالح اليمن العليا،
بالتوازي مع أهمية إفساح المجال أمام الطاقات الشبابية للاندماج في مسار العمل الدبلوماسي وصناعة القرار".
فخر العزب
صحافي يمني