الحكومة ستستأنف تصدير النفط: مواجهة الحوثيين بأدوات اقتصادية
الرأي الثالث
جاء إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي ، رشاد العليمي، بشأن استئناف تصدير النفط الخام، مساء الاثنين، في خطوة تراهن عليها الحكومة اليمنية لإنقاذ ماليتها العامة وتأمين إيرادات مستدامة،
بالتوازي مع اجتماع مجلس الدفاع الأعلى، الذي أقرّ حزمة تدابير اقتصادية وأمنية وعسكرية لتأمين المنشآت النفطية وتوجيه العائدات لسداد الرواتب وتحسين الخدمات وتعزيز الاستقرار المالي.
غير أن هذا التحرك يأتي وسط تحديات أمنية تُشكّل نقطة تحوّل كاسرة لحالة الجمود السياسي والعسكري الممتدة منذ أواخر عام 2022، حين فرضت الهجمات الحوثية بالطائرات المسيّرة حصاراً على الموانئ النفطية المحررة.
إعلان حرب من الشرعية اليمنية على الحوثيين
ولعل اللافت في هذا الإعلان هو صدوره بصيغة إعلان حرب ضمنية رداً على بيان جماعة الحوثيين الداعي إلى فرض حظر على السفن المتجهة من الموانئ السعودية وإليها،
إذ دعا العليمي إلى التلاحم الوطني خلف القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة الجماعة.
وتتجلّى أهمية التوقيت والمكان في كون القرار صدر من العاصمة السعودية الرياض، ما يؤكد أنه يتجاوز ردة الفعل العفوية ليعبّر عن موقف استراتيجي متكامل بالتنسيق بين السلطات الشرعية اليمنية والرياض،
وتوجّه عزّزه بيان التحالف بقيادة تركي المالكي حول بدء إجراءات عملياتية لحماية السفن التجارية في مضيق باب المندب والرد بحزم على أي تهديد للملاحة.
وبذلك، يبتعد هذا القرار في دلالاته عن كونه مجرد إجراء اقتصادي اضطراري لترميم المالية المتهالكة ووقف نزيف العملة الوطنية، ليُعبّر في جوهره عن تحرك سياسي وعسكري عالي المخاطر يُعيد تشكيل قواعد الاشتباك ويضع الجميع أمام جولة جديدة ومفتوحة من المواجهة الفاصلة.
ومنعت جماعة الحوثي منذ عام 2022 تصدير الحكومة اليمنية النفط الخام، عقب استهدافها ميناء الضبة النفطي، وتستعمل ذلك ورقةً سياسية في محاولات لَيّ يد الشرعية ومن خلفها التحالف بقيادة السعودية،
إذ تشترط الجماعة تحويل حصة من العائدات لتمويل رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين في مناطق سيطرتها شرطاً أساسياً لمرور أي ناقلة نفط. هذا الموقف تستخدمه الجماعة أيضاً في خطاب البروباغندا الذي تتبناه،
إذ تعتبر الموارد النفطية حقاً من حقوقها بوصفها سلطة أمر واقع في مناطق سيطرتها، وتشدد على أن هذه الثروة يجب أن تكون لجميع اليمنيين.
ولذا، فإن إعلان الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عن توجهها لاستئناف تصدير النفط، يمثل تحدياً كبيراً للحوثيين الذين سيعملون بكافة الطرق على عرقلته.
ويبدو أن السيناريو الأقرب للواقع قد يتمثل في لجوء الجماعة مجدداً لاستهداف الموانئ التصديرية الرئيسية (كالضبة في حضرموت والنشيمة في شبوة) وناقلات النفط الأجنبية باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، مكررة التكتيك نفسه الذي فرضت به حصارها النفطي أواخر عام 2022.
وعلى الرغم من أن الإعلان عن بدء إجراءات استئناف التصدير يثير العديد من التساؤلات والشكوك حول مدى جاهزية الحكومة اليمنية في الجوانب التقنية واللوجستية، خصوصاً أن موانئ التصدير وأنابيب الضخ لا تزال تعاني من أضرار وتراكمات التوقف،
إلا أن ثمة شواهد تشير إلى أن هذه الخطوة جرى الإعداد لها مسبقاً بعيداً عن ضجيج التطورات السياسية والعسكرية.
في السياق، كانت وكالة الأنباء الرسمية (سبأ) قد كشفت في نهاية الشهر الماضي عن لقاء جمع العليمي بوفد رفيع من شركة "هنت" النفطية الأميركية برئاسة رئيسها التنفيذي هانتر هنت، حيث جرى بحث فرص استئناف الأنشطة الاستثمارية والشراكة في مجالات الاستكشاف والإنتاج والتصدير، واستعراض الإصلاحات الاقتصادية والمالية لتعزيز الشفافية وتوفير الضمانات اللازمة لعودة الشركات الأجنبية.
وترافقت هذه التحركات مع جهود حكومية سابقة لتسهيل عودة الشركات، إذ أكد رئيس الوزراء شائع الزنداني للوفد التنفيذي لشركة "هنت" في فبراير/ شباط الماضي التزام الحكومة بتذليل المعوقات أمام الاستثمارات النفطية، في خطوة تمهيدية لإعادة ترتيب قطاع الاستكشاف والإنتاج وإعادة جذب الشركاء الدوليين.
غير أن ترجمة هذه التحركات الاستثمارية على الأرض تظل مرهونة بمواقف شركات الإنتاج والشحن والملاحة، فعلى الرغم من الجاهزية العالية التي تبديها شركات محلية وأجنبية كشركة "بترومسيلة" النفطية اليمنية لاستعادة وتيرة الضخ، فإن المعضلة الكبرى تتجسد في إقناع شركات الملاحة وناقلات النفط الدولية بالمغامرة بالإبحار ودخول المياه الإقليمية اليمنية المصنفة "عالية المخاطر".
وتزداد هذه الشكوك عمقاً أمام عقدة التأمين البحري، إذ تخضع الناقلات القادمة للموانئ اليمنية لأقساط تأمين استثنائية وباهظة ضد مخاطر الحرب والعمليات العدائية، ما يضع الحكومة اليمنية أمام اختبار حقيقي حول مدى قدرتها على إيجاد صيغة ضمانات دولية أو إعادة تغطية تأمينية كافية تُحفّز أسطول النقل البحري على العودة، وتضمن جدوى العملية التصديرية واقتصادها من الأساس.
وأمام التهديدات الحوثية، تُراهن الحكومة اليمنية على مظلة دفاعية إقليمية ودولية بالتنسيق مع التحالف والقوات البحرية المشتركة لتأمين الناقلات، إلى جانب مساعيها لنشر منظومات دفاع جوي في موانئ الضبة والنشيمة للتصدي للمسيّرات والصواريخ. ولا تقتصر استراتيجية الشرعية على الدفاع،
بل تمتد إلى الردع العسكري العكسي عبر التهديد بتحريك جبهات الساحل الغربي ومأرب والضالع، واستهداف مواقع الجماعة لرفع كلفة أي هجوم.
سياسياً، يُشكل القرار إسقاطاً لقواعد لعبة "لا سلم ولا حرب"، وسط تساؤلات عما إذا كانت الخطوة تحركاً يمنياً لإنقاذ الاقتصاد أم ضغطاً إقليمياً ـ دولياً.
كما يمثل الإعلان "مواجهة شاملة بأدوات اقتصادية" قد تتحول لشرارة تصعيد عسكري ميداني، يُطيح بما تبقى من الهدنة الضمنية ومسارات السلام.
وفي قراءته لردات الفعل وتداعيات القرار، أوضح الباحث في العلاقات الدولية، مسلي بحيبح، أن تعاطي جماعة الحوثي مع إعلان استئناف تصدير النفط والغاز، ينطلق من إدراكها أن هذه الخطوة تُسقط عنها واحدة من أبرز أوراق الضغط السياسية والمعيشية التي بنتها منذ أواخر عام 2022،
إذ حرصت طوال الفترة الماضية على تقديم تعطيل التصدير إنجازاً فرضته بالقوة، وجعلت من ملف الرواتب شرطاً حتمياً وخطاً أحمر لا يمكن تجاوزه إلا عبر بوابة التوافق معها.
ورأى بحيبح أن إعلان العليمي شكّل مفاجأة للجماعة، خصوصاً أنه جاء عقب تصعيدها الأخير في البحر الأحمر وباب المندب، إذ لم تتجه الحكومة إلى رد عسكري مباشر كما كان متوقعاً، بل بادرت إلى سلب المبادرة عبر ملف سيادي واقتصادي بالغ الحساسية، من خلال ربط استئناف التصدير بتوجيه العوائد لسداد الرواتب وتخفيف المعاناة الإنسانية.
وبذلك، انتقل مسار المواجهة من الاستنزاف العسكري الميداني إلى صراع محتدم حول المشروعية الاقتصادية والقدرة على إدارة موارد الدولة وتلبية احتياجات المواطنين.
من هذه الزاوية، استبعد بحيبح قبول الحوثيين بهذا التطور، نظراً لأن نجاح الحكومة اليمنية في استئناف الضخ وتأمين الرواتب سيمنحها مكسباً سياسياً وشعبياً واسعاً، ويضع الجماعة في الوقت ذاته أمام تحدٍ داخلي معقّد وضغط معيشي متفاقم في مناطق سيطرتها.
وأضاف: "لهذا السبب، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً لن يتجه فوراً نحو مواجهة عسكرية شاملة، بل سينحصر في تصعيد سياسي وإعلامي مكثف يرافق مساعي حثيثة لتعطيل القرار أو فرض شروط جديدة، مع إمكانية إبداء مرونة تكتيكية شكلياً بهدف كسب الوقت وإعادة التفاوض على آليات التنفيذ بما يحفظ نفوذ الجماعة في هذا الملف".
ولفت الباحث في العلاقات الدولية إلى أن "هذا التحرك يعيد خلط الأوراق بشأن مستقبل خريطة الطريق والمسار السياسي المتعثر، لا سيما أن الجماعة تدرك في الوقت نفسه حرص السعودية على التهدئة والدفع نحو تسوية شاملة،
وهو ما سيجعل سلوك الحوثيين محكوماً بمعادلة دقيقة تتأرجح بين التصعيد المدروس للحفاظ على أوراق القوة، وبين الحذر من اتخاذ خطوات متطرفة قد تطيح بفرص السلام وتنهي مسارات التهدئة القائمة".
واختتم بحيبح تصريحه بالإشارة إلى أن بيان العليمي يُسجل تحولاً نوعياً في الخطاب السياسي للشرعية التي اتسمت مواقفها بالهدوء والتركيز على الخيارات السلمية منذ عام 2022، حيث ظهرت هذه المرة بنبرة أكثر حزماً تمارس من خلالها الدولة حقوقها السيادية.
وأكد أن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً ميدانياً وسياسياً معقداً للطرفين، تتضح معالمه بصورة أكبر بناءً على مدى قدرة الحكومة اليمنية على تأمين منشآت النفط والغاز، وطبيعة السلوك الذي سينتهجه الحوثيون في البحر الأحمر خلال الأسابيع القادمة".
ما هي قدرات الحكومة اليمنية اللوجستية؟
وفي تحليله للقدرات اللوجستية وتداعيات القرار الاقتصادية، أوضح الخبير الاقتصادي اليمني وحيد الفودعي أن البنية التحتية الأساسية لموانئ التصدير والشركات الوطنية المنتجة ما زالت قائمة وتعمل،
إلا أنه لا تتوفر معلومات علنية تؤكد جاهزية ميناءي الضبة والنشيمة للتحميل المباشر وفورياً.
وأشار الفودعي إلى أنه عقب التوقف الممتد منذ عام 2022 وما رافقه من استهداف للمنشآت، يتطلب الأمر إجراء فحوص دقيقة لخطوط الأنابيب والخزانات وأنظمة القياس والسلامة، إلى جانب إعادة رفع إنتاج الحقول بشكل تدريجي".
وبناءً على هذه المعطيات التقنية، رأى أن استئناف التصدير يُعد ممكناً عملياً، غير أنه يحتاج إلى أسابيع أو ربما أشهر وليس مجرد أيام، ما لم تكن هناك تجهيزات لوجستية قد أُنجزت بعيداً عن الأضواء،
بالنظر إلى أن متوسط إنتاج اليمن من النفط الخام كان قد بلغ نحو 55 ألف برميل يومياً قبل التوقف.
وفي ما يتعلق بمعضلة التأمين البحري، أكد الفودعي أن التغلب عليها لا يتأتى بالإجراءات الأمنية وحدها، بل يتطلب من الحكومة اليمنية تقديم ضمانات سيادية أو إنشاء صندوق لمخاطر الحرب بدعم إقليمي، بالتوازي مع توفير الحماية البحرية، أو الاعتماد على خيار بيع النفط بنظام يلتزم فيه المشتري بتحمل تكاليف الشحن والتأمين مقابل منح اقتطاع في السعر.
وكشف الخبير الاقتصادي عن ارتفاع أقساط مخاطر الحرب في المنطقة من نحو 0.3% إلى 0.75% من قيمة السفينة، وهو ما يعادل قرابة 750 ألف دولار للناقلة التي تبلغ قيمتها 100 مليون دولار، مع احتمالية ارتفاع علاوة الرسو في الموانئ اليمنية إلى مستويات أعلى،
لافتاً إلى أنه حتى لو تجنبت الناقلات المتجهة شرقاً المرور عبر مضيق باب المندب، فإنها تظل عرضة للمخاطر المحاذية للسواحل اليمنية وخليج عدن.
فخر العزب
صحافي يمني