دردشة حول اتفاق مكة الدفاعي
اختارت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان مدينة مكة المكرمة مكاناً للتوقيع على «اتفاق مكة الدفاعي»، اختاروها دون غيرها، لكي يكون هذا الاتفاق على قدر كبير من الموثوقية، نظراً لرمزية المدينة المقدسة الأولى في الإسلام.
أرادوا أن يعكسوا إلزامية الاتفاق العالية، وأهميته القصوى للدول الموقعة عليه،
بالإضافة إلى رمزية انفتاح الاتفاق على دول أخرى تشارك الدول الثلاث سياساتها وثقافاتها وأهدافها، وتشترك في الأبعاد الرمزية التي تضفيها مكة على الاتفاق الذي جاء «بناءً على روابط الأخوة والتضامن الإسلامي التي تجمعها (البلدان الموقعة)،
واستنادًا إلى المصالح الاستراتيجية المشتركة والتعاون الدفاعي الوثيق»، حسب وكالة الأنباء السعودية.
وإذا تجاوزنا رمزية المكان، وألقينا نظرة سريعة على أولويات الدول الثلاث الموقعة على الاتفاق نجد أن المخاطر الأمنية التي تواجهها السعودية، والعمل على تطوير صناعاتها العسكرية يُعد أولوية بالنسبة لسياسات المملكة،
فيما تجعل تركيا مركزيتها الأمنية في المنطقة، وتسويق منتجاتها الدفاعية في مقدمة أولويات حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان،
أما باكستان فإن الهاجسين: الاقتصادي والهندي يعدان من أكبر تحديات حكومة رئيس الوزراء شهباز شريف.
وعلى الرغم من أن أياً من الدول لم تعرب – رسمياً وبشكل واضح – عن القلق من هذا الاتفاق إلا أن إيران وإسرائيل – تحديداً – لا يبدو أنهما تنظران بإيجابية له.
بالنسبة لإيران يعد دخول القوة الاقتصادية السعودية ضمن اتفاق يشمل دولة نووية بجيش قوي، مثل باكستان، ودولة ذات صناعات دفاعية متقدمة، وعضو في الناتو، مثل تركيا، يعد هذا تحدياً جدياً لسياسات طهران التوسعية
بما يعنيه ذلك من أن الأجواء السعودية أصبحت ضمن الحدود الدفاعية لدولتين إسلاميتين جارتين لإيران، ما يجعلها ومليشياتها تراجع الكثير من الحسابات.
وعلى الرغم من عدم وضوح الكيفيات التي سترد بها باكستان وتركيا على أي هجوم – إن حدث – من إيران أو مليشياتها على السعودية، وهو ما لا تريده أي من الدول الثلاث الموقعة على الاتفاق
على الرغم من ذلك إلا أن طهران لا يمكن أن تغفل عن الثقل الأمني والعسكري لدولتين جارتين تتنامى قوتهما الأمنية والعسكرية، بشكل ملحوظ.
وإذا كانت إيران لا ترفع عينها عن الخليج والمملكة العربية السعودية، فإن إسرائيل ترقب هذا الاتفاق بعين القلق، خاصة وأن تل أبيب تفتح عينها بشكل ملحوظ على تركيا، في الوقت الذي يمكن أن نتوقع نوعاً من القلق في الهند التي تضع باكستان نصب عينها.
من هنا يمكن أن نلحظ تركيز الدول الموقعة على الاتفاق على كونه دفاعياً، وذلك لطمأنة الدول التي يمكن أن تشعر بشيء من القلق، حيث يمكن أن ينظر إلى اجتماع القوة الاقتصادية السعودية والتكنولوجية التركية والنووية الباكستانية على أساس أنها تعقد كثيراً من الأمور بالنسبة للدول التي ترى في الاتفاق مصدر قلق من زواياها المختلفة.
ومع ذلك فمن الصعب تصور أن الاتفاق يمكن أن يؤدي إلى مفاقمة الأوضاع الأمنية في المنطقة، ذلك أن كل دولة من الدول الثلاث ستراعي عدم تأثر مصالحها، قدر المستطاع، ثم إن الدول الموقعة لا تريد بالفعل مفاقمة الأوضاع الأمنية،
وهي دول لا تملك سياسات توسعية، وإن كان لديها مخاوفها الأمنية الخاصة، وهي المخاوف التي دفعتها مجتمعة إلى التوقيع على الاتفاق الذي لا يعني حرفياً دخول الحرب، قدر ما يعني الدفاع المشترك، بمستويات مختلفة، عسكرياً واقتصادياً واستخباراتياً وسياسياً، وفق ما تدعو الحاجة والمصالح المشتركة للدول الموقعة عليه.
يبدو – إذن – أن الدول الثلاث عازمة على توثيق عرى الاتفاق، عبر شبكة من الهيئات والمؤسسات،
ويبدو أن تلك الدول وجدت في الاتفاق تلبية لحاجتها الماسة لتلك المظلة، بعد عقود من محاولات ضبط البوصلة، وتلمس الاتجاهات الدولية والإقليمية
وبعد تجارب ماضية تكشفت عن الحاجة لمثل هذا الاتفاق الاستراتيجي الذي لا تخفي الدول الموقعة عليه رغبتها في انضمام دول أخرى يمكن أن تضيف له أبعاداً أخرى،
ما ينفي عن الاتفاق ما أثير حوله من كونه مجرد ردة فعل آنية على التهديدات الإيرانية والإسرائيلية المتفاقمة.
وعلى الرغم من أن الاتفاق يمكن أن ينظر إليه على أساس أنه اتفاق حلفاء واشنطن، إلا أنه يشير إلى أن المظلة الأمنية الأمريكية ربما لم تعد مغرية لكثير من الدول، لأسباب تنظر إليها دول مختلفة من زوايا متعددة،
دون أن يعني ذلك انحسار تلك المظلة عن المنطقة التي يبدو أن كثيراً من دولها بدأت تهتم بتنويع مصادر قوتها الاقتصادية والدفاعية، وعلاقاتها السياسية، وتحالفاتها الاستراتيجية،
وهو الأمر الذي لا يعني بطبيعة الحال الاستغناء عن الصناعات الدفاعية الأمريكية المتقدمة، إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الدول الثلاث الموقعة على الاتفاق تعد ضمن الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، الأمر الذي يمكن أن ينظر إليه بشيء من الإيجابية من وجهة النظر الأمريكية،
حيث تفضل واشنطن أن تضطلع الدول الثلاث بمزيد من المسؤوليات في الشرق الأوسط، على الرغم من امتعاض بادٍ من طرق الحليف الاستراتيجي لواشنطن، في تل أبيب
نظراً لما تراه من ابتعاد الرياض – تحديداً – عن منظومة «الاتفاقات الإبراهيمية» التي كانت إسرائيل تعول على سرعة انضمام السعودية إليها، وكذا لما تراه تل أبيب من تزايد النفوذ التركي في المنطقة.
ومع كل ما ذكر فإن الاتفاق، وكأي اتفاقية دفاعية، يظل رهناً بالميدان والمحكات والقدرات والإمكانات والحسابات الاستراتيجية دولياً وإقليمياً، وليس من المنطقي تقييمه، في أيامه الأولى، لأن ما كتب عنه حتى الآن مجرد قراءات سريعة،
لا تخلو من قصور، ولا تعدو كونها توقعات تصيب وتخطئ، خاصة وأن ما أعلن عنه من بنود قد لا تعطينا الصورة الكاملة عن هذا الاتفاق الذي يمكن أن يحوي بعض البنود والملاحق غير المعلنة.