نستلوجيا الجعاربة
لا شيء يثير الشفقة والضحك في آنٍ واحد، كالمشهد الذي تتحول فيه "الممالك" المتوهجة إلى مجرد قطع خشبية تتزاحم عند ثقوب طاولة كيرم أصابها الوهن.
ففي تلك الأيام الخوالي، حين كان الجعاربة ومن سار في فلكهم يظنون أن الجغرافيا خُلقت لتُطوى تحت أقدامهم، وأن التاريخ سيتوقف طويلاً عند شطحاتهم،
كانت الحكاية تبدو في أعينهم ملحمة، لكنها في ميزان العقل لم تكن سوى فقاعة صابون نفخها الغرور حتى انفجرت في وجوههم.
تأمل اليوم حال الجربوع الروسي العزيبي الذي تضخم خيالاً حتى ظن نفسه صقراً، ومعه أبو عواد الجعاري، وصولاً إلى المجذوب شاعر الشهداء أبو شلال؛
أولئك الذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها بضجيج العنصرية المقيتة، ظانين أن لغة الإقصاء هي المسحوق الذي سيجعل حباتهم تنزلق نحو النصر.
إنني اليوم، وبصفتي الشخصية، أرثي لحالهم والله، أتألم لوجعهم كبشر وهم يتذكرون ماضيهم بمرارة وقهر،
بعد أن تحولوا إلى ما يشبه الكلاب المسعورة التي ملأت الدنيا صراخاً وعويلاً، يلسعون كالدبابير في كل اتجاه بلا هدى، وينفثون سمومهم كالأفاعي التي فقدت جحورها، فما زادهم ذلك إلا ندماً وضياعاً.
لقد طغوا وتجبروا، واستبدلوا لغة السياسة بصراخ المدرجات، فجاءهم الرد من حيث لا يحتسبون.
جاء القائد العسكري السعودي بحنكته وهدوئه، وبضربة واحدة حازمة، بعثر تلك الحبات المذعورة من حضرموت وعدن حتى المهرة، محولاً عظمتهم الزائفة إلى غبارٍ تذروه الرياح.
وفي غمرة هذا الشتات، برز السريجل الدكتور رشاد العليمي؛ ذلك اللاعب الداهية الذي يتقن فن المسافات،
فبلمسة باردة كالثلج، أسقط الأحمر في قعر الحفرة، ولم يكتفِ بذلك، بل جعل بقية الحبات تتهاوى فوقه في مشهدٍ سريالي يجسد نهاية مشروعٍ بُني على الرمال.
نستلوجيا الجعاربة هي في الحقيقة رثاء لعقلية لم تدرك أن زمن البلطجة السياسية قد ولى.
أنا أرثي لحالهم وكسرة خاطرهم وهم ينهشون أنفسهم من شدة الندم، لكنني أسحق مشروعهم سحقاً بمنطق الواقع الذي لا يحابي المغفلين.
لقد تعنصروا حتى لفظهم المجتمع، وتجبروا حتى حُشروا في الزاوية الضيقة، واليوم لا يملكون إلا العويل على زمنٍ كانوا فيه أباطرة في مخيلاتهم المريضة.
لقد انتهت اللعبة، وسقطت الحبات في ثقب النسيان، بينما اللاعبون الحقيقيون يمسحون الطاولة بهدوء، استعداداً لزمنٍ نظيف، لا مكان فيه للضجيج، ولا عزاء فيه للجعاربة.
* كاتب وباحث يمني