قراءة تحليلية في أحد أعمق الحوارات السياسية المعاصرة
تابعتُ البودكاست الذي أجراه الأستاذ أسامة عادل مع البروفسور محمد المسفر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة قطر، فكان — بحق — من أعمق وأثرى الحوارات التي استمعت إليها في مسيرتي السياسية والفكرية.
تميّز اللقاء بطرحٍ تحليلي رصين قدّم تشخيصًا متكاملًا للمسألة اليمنية بأبعادها السياسية والقبلية والمناطقية، مستندًا إلى خبرة طويلة ومعايشة مباشرة لمختلف التحولات التي شهدها اليمن منذ عام 1962 وحتى اليوم.
لم يكن الحديث استعراضًا تاريخيًا للأحداث، بل قراءة نقدية لمسارات الدولة، ولإخفاقات النخب، ولتداخل العوامل الداخلية بالإقليمية.
غير أن النقطة الأبرز — والتي كررها البروفسور محمد المسفر بوضوح وإصرار — كانت رؤيته لمسألة الفيدرالية.
فقد أبدى تحفّظًا على الطرح المتداول لفيدرالية داخلية في اليمن إذا جاءت منفصلة عن عمقها الجغرافي والتاريخي، معتبرًا أن أي صيغة لا تراعي الترابط البنيوي بين اليمن ومحيطه ستظل ناقصة.
وفي المقابل، طرح تصورًا مختلفًا وجريئًا تمحور حول فيدرالية بين اليمن والسعودية، بل وذهب أبعد من ذلك حين شدّد أكثر من مرة على إمكانية التفكير في صيغة أشمل تقوم على فيدرالية بين السعودية واليمن وقطر.
وقد عرض هذه الفكرة باعتبارها إطارًا استراتيجيًا يتجاوز حدود المعالجة التقليدية للأزمة اليمنية، وينقل النقاش من إدارة الانقسام إلى بناء تكامل سياسي واقتصادي وأمني يعكس وحدة المصالح وتشابك الجغرافيا والتاريخ.
في طرحه، لم تكن الفيدرالية المقصودة مجرد هيكل إداري، بل رؤية لإعادة صياغة العلاقة بين دول متجاورة يرتبط أمنها القومي ومجالها الحيوي ومصالحها الاقتصادية ببعضها ارتباطًا عضويًا.
وهي فكرة قد تبدو طموحة أو حتى صادمة للبعض، لكنها جاءت في سياق تحليل يعتبر أن التفكك الداخلي لا يُعالج بتجزئة إضافية، بل بدمج أوسع يعيد التوازن ويمنح الأطراف قوة تفاوضية واقتصادية أكبر في الإقليم.
كما ربط هذه الرؤية بمستقبل مجلس التعاون الخليجي، مؤكدًا أن المجلس — إن أراد أن يحافظ على حيويته — بحاجة إلى إعادة تعريف حدوده ووظيفته، بما يشمل اليمن والأردن ضمن منظومة أكثر تكاملًا وتماسكًا.
فاستقرار اليمن، في تصوره، ليس شأنًا يمنيًا صرفًا، بل مسألة تمس الأمن الخليجي برمته.
وتناول كذلك قضايا سوق العمل والتحولات الديموغرافية، داعيًا إلى سياسات أكثر توازنًا تراعي الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ومؤكدًا أهمية تعميق التكامل البشري داخل الإقليم.
وفي قراءته للمشهد الجيوسياسي، حذّر من تصاعد التنافس في البحر الأحمر وباب المندب، ومن مخاطر محاولات تطويق الممرات الحيوية، مؤكدًا أن التعامل مع هذه التحديات يتطلب رؤية جماعية لا حلولًا منفردة.
ما ميّز هذا الطرح أنه جاء بهدوء العالم وخبرة المراقب العارف بتفاصيل المنطقة، بعيدًا عن الشعارات أو الانفعالات.
إنها رؤية قد يختلف حولها البعض، لكنها بلا شك تستحق النقاش الجاد، لما تحمله من محاولة لإعادة التفكير في بنية الدولة والعلاقة بين الجوار الجغرافي في إطار استراتيجي أوسع.
ويبقى السؤال: هل تستطيع النخب اليمنية الارتقاء إلى مستوى هذا الطرح، فتناقشه بعقلٍ منفتح بعيدًا عن الحسابات الضيقة؟ وهل تملك القيادات الخليجية الجرأة لتحويل مثل هذه الأفكار إلى مسارات بحثٍ مؤسسي وحوار استراتيجي منظم؟
شخصيًا، ورغم معرفتي السابقة بالبروفسور محمد المسفر ولقائي به في مناسبات فكرية متعددة، فإن هذا الحوار كشف عن عمق إضافي في رؤيته، وفتح أمامي أفقًا أوسع لفهم ترابط المصير اليمني بالخليجي.
لقد كان لقاءً ثريًا أعاد ترتيب كثير من المفاهيم، وأكد أن التفكير الاستراتيجي الحقيقي يبدأ من الاعتراف بوحدة الجغرافيا وتشابك المصالح.
كل التقدير للأستاذ أسامة عادل على هذا الحوار الراقي، وللبروفسور محمد المسفر على ما قدّمه من طرحٍ فكري جاد ومسؤول، يستحق أن يُقرأ بعناية ويُناقش بروحٍ علمية ومنصفة.
* دبلوماسي وسياسي يمني