ثقافة الحرب وصناعة التفاهة من يقود الرأي العام في اليمن
أفرزت الحرب والصراع في اليمن تحولات عميقة في الوعي الجمعي وأنتجت ثقافة جديدة مشوهة لا يمكن وصفها إلا بأنها ثقافة بشعة ...
حيث تصدر المشهد العام في اليمن أكثر النماذج انحطاطا وتفاهة ولم يعد التأثير مرتبطا بالقيمة أو الحكمة أو النزاهة بل بالقدرة على الإساءة والصخب والتحريض فأصبح أحقر الناس هم الأكثر حضورا وتأثيرا في وعي جمهور أنهكته الحرب والخذلان..
في هذا المناخ انتشرت لغة التعالي والسخرية من أصول الناس ومهنهم ومناطقهم في سلوك عنصري فاضح يتناقض مع كل ما عرفه اليمن من تنوع اجتماعي وتاريخي غني.
يتحدث بعض اليمنيين بفظاظة وكأنهم فوق المجتمع فيوزعون الاتهامات ويعيدون إنتاج أشكال بدائية من الإقصاء متناسين أن الطعن في الأصل والمهنة ليس موقفا سياسيا بل سقوط أخلاقي وانكسار في الوعي.
المفارقة الصادمة أن هؤلاء أنفسهم يرفعون شعارات محاربة التمييز والطبقية والعنصرية ويتقمصون مظهر المتحضرين وينصبون أنفسهم أوصياء على التنوير بينما يمارسون أبشع أشكال الكراهية والإقصاء.
ينتقدون المعتقدات والعادات والتقاليد لا بدافع الإصلاح بل بدافع التشويه والهدم ويستخدمون خطابا انتقائيا يبرر العنف الرمزي ويعيد إنتاج الانقسام باسم الحداثة الزائفة..
وتكشف الوقائع أن كثيرا من هذه الأصوات ليست مستقلة ولا عفوية بل مرتبطة بأجهزة استخبارات إقليمية ترتزق من الفوضى وتستثمر في تمزيق المجتمعات..
حولت المأساة اليمنية إلى سوق نفوذ وإعلام يخدم أجندات خارجية على حساب الوطن والشعب ومنحت المال والمنصات لهؤلاء حضورا مصطنعا لكنه مؤذ في لحظة ضعف عام وانكسار وطني..
الأخطر من كل ذلك أن دوائر صنع القرار باتت تصغي لهؤلاء التافهين أكثر مما تصغي لأصحاب الرأي والحكمة والخبرة الوطنية وكأن المعايير قد انقلبت رأسا على عقب.
أصبح الصخب بديلا عن العقل والتفاهة بديلا عن الكفاءة وتم تهميش الأصوات الرصينة لأنها لا تخدم سياسات جاهزة ولا تبرر مشاريع الهيمنة.
وهنا لا يكون السؤال هل انقلبت الأمور فقط بل هل كان هذا الانقلاب مقصودا ليصبح الانحطاط الثقافي أداة من أدوات إدارة الصراع وضرب ما تبقى من وعي وطني..
* سفير بوزارة الخارجية